
تعليقاً على الضجة الإعلامية الحاصلة على خلفية تصريحات إبراهيم عبد الله دنيا، رئيس حركة تحرير شرق السودان.
حين اندلعت شرارة الحرب في السودان، لم يكن الصراع مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كان امتحاناً وجودياً للدولة السودانية في أن تكون أو لا تكون، وفي تلك اللحظة الحرجة التي تكالب فيها الكثيرون وتوارى آخرون خلف جدار الصمت، برز الموقف الإرتري كتقدير إلهي وسند استراتيجي صلب منع سقوط الدولة في هاوية مليشيات الدعم السريع. لقد كانت إرتريا هي الجار الذي لم يساوم، والظهر الذي لم ينكشف، حيث جعلت حدود السودان الشرقية خط دفاع صامت وحصناً منيعاً حال دون تطويق الجيش السوداني أو تحويل الشرق إلى ممر مفتوح للفوضى والسلاح والمرتزقة. هذا الثبات الإرتري لم يكن مجرد إجراء أمني حدودي، بل كان موقفاً سياسياً مبدئياً نابعاً من إدراك عميق بأن سقوط السودان يعني احتراق الإقليم بأكمله، لذا رفضت أسمرا كل عروض المساومة والضغوط التي مورست لشرعنة الميليشيا، مما وفر للدولة السودانية في بورتسودان مساحة آمنة نسبياً لإعادة تنظيم صفوفها والحفاظ على ما تبقى من هيبة وكيان المؤسسات الوطنية.
ومع ذلك، من المؤسف والمؤلم حقاً أن نرى اليوم وسط هذا الركام من يوجه سهام الإساءة والتشكيك والتعالي نحو الإرتريين، سواء المقيمين في السودان، أو أولئك الذين تجمعهم بإرتريا أواصر الإخوة والدم من القبائل المشتركة التي لا تعرف الحدود المصطنعة.
أإن الاستخفاف بهؤلاء البشر أو محاولة تعييرهم بوصف “لاجئ” كلما طالبوا بحق مشروع، أو عبروا عن رأي، هو ليس فقط جهلاً بوقائع التاريخ والجغرافيا، بل هو سقوط أخلاقي مريع لا يشبه قيم الشعب السوداني الأصيلة. فكيف يستقيم لعاقل أن يُعيّر إنساناً باللجوء، والقدر قد دار دورته القاسية وأصبح السودانيون اليوم مشتتين في أصقاع الأرض، يطرقون أبواب المنافي ويبحثون عن الأمان في كل فج عميق؟ إن الدنيا دوارة، ولا شماتة في لجوء أو نزوح، فمن كان بالأمس يستضيف، أصبح اليوم ضيفاً، ومن كان يظن نفسه في مأمن مطلق، صار يبحث عن موطئ قدم يحميه من شرور الحرب.
إن الإرتريين الذين عاشوا في السودان لعقود لم يكونوا يوماً عبئاً، بل كانوا جزءاً أصيلاً من نسيجه الاجتماعي وركيزة في اقتصاده، والقبائل المشتركة بين البلدين هي صمام أمان وجسور تواصل إنساني لا يمكن قطعها بمجرد كلمات طائشة أو خطاب كراهية يبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي. إن محاولة “وصم” كل من يطالب بحقه بأنه “لاجئ إرتري” هي محاولة بائسة لشق الصف الوطني وتشتيت الجهود في وقت أحوج ما يكون فيه السودان للتماسك، والاعتراف بالجميل من شيم الأصلاء.
فإرتريا التي فتحت حدودها وبيوتها للسودانيين الهاربين من الموت باحترام وهدوء، وأعلنت بوضوح أن يُعامل السوداني معاملة المواطن الإرتري دون أي استغلال أو فرض جبايات، ودون صراخ إعلامي أو متاجرة سياسية رخيصة بآلام المنكوبين، تستحق من كل سوداني الامتنان والتقدير لا النكران والتعالي. لولا هذا الموقف المتكامل، سياسياً وعسكرياً وإنسانياً، لكان السودان اليوم في منحدر السقوط الكامل، ولعل التاريخ سينصف أولئك الذين ثبتوا حين تراجع الآخرون، وسيظل الموقف الإرتري علامة فارقة في نجاة الدولة السودانية من الانهيار الشامل.



