
د. عوض النقر بابكر محمد
فى اليوم الاول من السنة الميلادية الجديدة عند الصباح الباكر اعتاد جدى ان يرتدى زيه العسكرى الكامل ويزين صدره بكل الاوسمة والنياشين التى حصل عليها ابان فترة خدمته الطويلة فى الجيش, يحمل عصاه ويتجه نحوبقعة بعيدة عند شاطىء النهر بالقرب من الشيمة الكبيرة ذلك الصباح سرت خلفه حتى وصل تلك البقعة جلس على الرمال البيضاء يرسم بعصاه على الارض دوائر بلا نهاية وينظر نحو افق لا يراه غيره ،تسللت بخفة لاجلس بجواره بالكاد انتبه لوجودى قلت له محاولا اخراجه من حالة الصمت العميق تلك …..جدى لماذا اخترت هذه البقعة دون غيرها ؟ سعل فى ثقل يحمل معه كل ذكريات ذلك الزمن البعيد كف عن الرسم بعصاه على الرمال ادنى وجه منى ثم قال هذه البقعة هى التاريخ المنسى من مجد امة وكرامة شعب ابى جارت عليه الايام. تعالى هدير الامواج فجاة دون سابق انذار ثم عاد النهر الى صمته الرزين ربما ليسمع معى القصة التى كان شاهدا عليها قال جدى كنا صغارا حين كان الريس مساعد ود طيفور ينقل الناس بين الضفة الشرقية والغربية للنهر مركبه المصنوع من خشب الحراز القوى يعبر بالناس والدواب من ضفة الى اخرى بمقابل لا يذكر وفى معظم الاحيان دون مقابل .الريس مساعد رجل قليل الكلام مديد القامة مفتول العضلات يقول معظم الناس بانه قد عاش داخل النهر وقتا ربما اطول من الوقت الذى قضاه بالبر وانه يعرف النهر شبرا شبرا.انجبت له زوجته حليمة مولودا ذكرا فرح به الكل ربما لمحبة الناس وتقديرهم له ثم ادار الزمن لعبته الابدية ليتوارى الريس وراء التراب اما ابنه الذى لم يكن يشبهه فى شىء كان اقرب الى البلاهة منه الى الفطنة يخاف من كل شىء حتى سماه اقرانه ود حليمة ولم يعد كثير من الناس يتذكر حتى اسمه الحقيقى ولكنه ورث عن ابيه ذلك الجسد القوى والقامة الفارعة وثمة شىء آخر ورثه عنه وهو ذلك الولع الجنونى بالنهر وبعد وفاة والده ولدهشة الجميع فقد ملا فراغ والده بكفاءة لا مثيل لها ومع ذلك كان الجميع يطلق عليه اسم ود حليمة وحين حاز احترامهم وتقديرهم اصبحوا ينادونه بالريس ود حليمة احتراما وتقديرا…………
ادار جدى وجهه صوب قلب الشيمة الكبيرة حتى كفت عن الهدير….ذلك الفيضان العظيم الذى اغرق الدواب واسقط اشجار النخيل الى جوف النهر اراد مفتش مركز شندى الانجليزى ان يعبر الى الضفة الاخرى وقد حضر مع موكبه الكبير يمتطى صهوة حصانه ناصع البياض ولكن للوصول الى المركب كان لابد له من ان يخوض فى المياه الضحلة عند الشاطىء. اشار الى الريس ود حليمة ان ياتى. ركض الريس ود حليمة نحوه لم يكن يعرف ما يراد منه .اراد المفتش من الريس ود حليمة ان يحمله على ظهره الى المركب ،وقف العملاق بقامته السامقة واسماله البالية التى بالكاد تغطى جسده حافى القدمين,كانت الشمس من وراء ظهره تطبع على الرمال ظلا مخيفا نظر بعينييه الضيقتين الى السماء الملبدة بالغيوم راى على الشاطىء عيون نساء شندى والمتمة راى كثبان الرمال الحزينة ثم سمع فرحا لا اصل له ومغنيا يشق بصوته سكون الليل وسياطا يقطر منها الدم ولدهشة الكل انحنى امام المفتش الانجليزى ليمتطى ظهره حمل العملاق القوى المفتش الانجليزى كطفل صغير ودخل به الى المياه لم يتجه صوب المركب ولكنه اتجه نحو المياه العميقة نحو الشيمة الكبيرة افاق الحرس من ذهولهم ثم القوا بانفسهم فى المياه لنجدة قائدهم رفعت الاسلحة وتطاير الرصاص افلت الريس المفتش وهو اقرب الى الموت منه الى الحياة اما الريس فقد اختفى كشبح لا وجود له ارسلت الحكومة الجنود والخيالة يمشطون اعلا واسفل النهروالاراضى المحيطة بهما وبعد شهور من البحث لم يظهر الريس ود حليمة رفع جدى راسه فى فخر تلاشت التجاعيد وتدفق الدم الى الوجنتين ثم قال لى الم اقل لك (بان والده قد علمه كل اسرار النهر التى لا يعرفها احد.)




انت ابضا يا دكتور مولع بالوطن والنهر شكرا لك
شكرا لك يا دكتور على هذا الابداع وهذه القصه الرائعه التى كتبت بلغة جزلة، وأسلوب متين، وفكر ناضج يعكس ثقافة عالية وذائقة أدبية رفيعة.ومقدرتك على تطويع اللغه .فشكرًا لك على هذا الجهد والابداع الذى يثرى القارئ ويمنحه متعة القراءه .
نص ابداعى بحق شديد التكثيف له ايحاءت وايماءت لا حصر لها افتقدنا كثيرا مثل هذا الابداع الجميل
معنى الكرامة فى الشخصية السودانية لذلك حين حاول اانجليز ان يفعوا ما فعلوه فى مستعمراتهم الاخرى خا ظنهم