السودان ما بين الميدان والدبلوماسية… هل تنجح جهود إنهاء الحرب؟

منذ اندلاع الحرب السودانية في منتصف نيسان/أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، طُرحت العديد من المبادرات على طاولة الأطراف السودانية، في محاولات لإنهاء واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية والسياسية في تاريخ البلاد الحديث، وهي أزمة لم تقتصر تداعياتها على الداخل فحسب، بل امتدت آثارها إلى الإقليم في ظل صراع محتدم بين أطراف متقاطعة المصالح.
وتتهم الحكومة السودانية بعض هذه الأطراف بتمويل ودعم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، ما أسهم- بحسب الخرطوم- في إطالة أمد الحرب وتعقيد الأزمة، وسط مخاوف من أجندات ذات دوافع انقسامية.
وفي مقابل المبادرات الخارجية المتعددة، إلى جانب مبادرات طرحتها قوى سياسية محلية، قدمت الحكومة السودانية عبر رئيس وزرائها مبادرة سلام أمام مجلس الأمن الدولي في كانون الأول/ديسمبر الماضي.
وفي خطاب ألقاه رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بمناسبة الذكرى السبعين لاستقلال السودان في الأول من كانون الثاني/يناير الجاري، جدد البرهان موقف الحكومة من جهود إنهاء الحرب، واصفًا الحرب الدائرة في البلاد بأنها «معركة وجودية وكفاح لاستعادة استقلال السودان الحقيقي»، مؤكدًا أن «النصر قادم وأن النصر سيكون حليف الشعب السوداني».
وقال البرهان إن المعركة التي يخوضها الجيش والقوات المساندة له ضد قوات الدعم السريع «وحدت وجدان الشعب السوداني»، معتبرًا أن الحرب لا تمثل مجرد صراع عسكري، بل تجسيدًا لإرادة شعب يرفض العودة إلى الفوضى، ويسعى لبناء دولة مواطنة تتسع لجميع أبنائها.
وشدد في الوقت ذاته على أن «أبواب المصالحة الوطنية ما زالت مشرعة» لكل من يلتزم بالحفاظ على وحدة الوطن، داعيًا القوى السياسية والاجتماعية إلى الانخراط في حوار شامل يخرج البلاد من أزمتها الراهنة.
ورغم نبرة الرفض الصريحة لأي محاولات لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب، أكد البرهان أن القوات المسلحة والقوات الحليفة لها ستواصل الضغط على قوات الدعم السريع، مشددًا على أن «أوهام الدول التي تراهن على تقسيم السودان أو استمرار حالة الانهزامية لن تتحقق»، وأن الشعب السوداني «مصمم على الانتصار وإعادة الاستقرار إلى الوطن».
ويرى مراقبون أن البرهان يسعى إلى مناورة سياسية مزدوجة، تقوم من جهة على التأكيد على المضي قدمًا في العمليات العسكرية حتى تحقيق أهدافها، ومن جهة أخرى على إبقاء الباب مفتوحًا أمام مصالحة وطنية قد تدعم مبادرات السلام، بما فيها المبادرة التي قدمها رئيس الوزراء أمام مجلس الأمن، في محاولة لتحقيق توازن بين الخيار العسكري والحوار السياسي في سياق أزمة لا تلوح لها نهاية قريبة في الميدان.
تصاعد الحرب وسط مبادرات متعددة
وخلال أكثر من عامين ونصف من القتال، تطورت الحرب التي بدأت في العاصمة الخرطوم لتتحول إلى اشتباكات واسعة في مختلف أنحاء البلاد، ما أدى إلى تدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية، وزاد من الضغوط على المجتمع الدولي للبحث عن مخرج سياسي.
وعلى الرغم من سيطرة الحكومة على نطاق واسع من البلاد، إلا أن قوات الدعم بعد سيطرتها على مساحات واسعة من إقليم دارفور غربي البلاد، أعلنت قوات تشكيل حكومة موازية عقب اجتماعات متعددة عقدت في كينيا، التي تتهمها الخرطوم بالتواطؤ مع دولة الإمارات وجهات أخرى قالت إنها تدعم «تمرد الدعم السريع». وفي هذا السياق، رفض مجلس الأمن الدولي محاولات إقامة سلطة حكم موازية، محذرًا من أن هذه الخطوة تهدد وحدة البلاد.
وتوسعت جبهات القتال لاحقا في ولايات كردفان، حيث تحولت المنطقة إلى أحد أهم مسارح العمليات العسكرية، ونقطة فاصلة في التوازنات الميدانية والسياسية.
وشهدت مناطق واسعة من كردفان خلال الأسابيع الأخيرة تصعيدًا ملحوظًا في المواجهات، مع تبادل السيطرة بين الطرفين، في وقت تتزايد فيه الخسائر البشرية والمادية وسط تدهور متواصل في الأوضاع الإنسانية.
وفي شمال وغرب كردفان، أعلن الجيش السوداني أواخر كانون الأول/ديسمبر الماضي استعادة السيطرة على مناطق وصفها بالاستراتيجية بعد عمليات ميدانية دعمتها ضربات جوية وتحركات لقوات المشاة والدبابات. واستعاد الجيش مواقع جنوب مدينة الأبيض، ما أسهم في تأمين طرق حيوية تربط العاصمة الإقليمية بمناطق أخرى، في محاولة لفك العزلة عنها وفتح ممرات إمداد للمدنيين والمساعدات الإنسانية.
أما في جنوب كردفان، فقد تحولت عاصمة الولاية كادوقلي ومحيطها إلى بؤرة قتال مستمر، بعد إعلان قوات الدعم السريع وحلفائها من الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو السيطرة على مواقع غرب المدينة، ما عزز الطوق المفروض عليها وفاقم الحصار على السكان والقوات الحكومية.
وألقى هذا التصعيد العسكري بظلاله على الوضع الإنساني في كردفان، حيث حذرت الأمم المتحدة من أن الحرب «دخلت مرحلة أكثر دموية»، مع تزايد الضربات الجوية والهجمات العشوائية في المناطق المأهولة، الأمر الذي أدى إلى نزوح عشرات الآلاف داخليًا وخارجيًا، وسط مخاطر المجاعة ونقص الخدمات الصحية، محذرة من تكرار الانتهاكات الكارثية التي شهدتها ولايات دارفور.
رئيس الوزراء يقدم مبادرة الحكومة لمجلس الأمن
وفي خطوة اعتبرها محللون محاولة لإعادة تحريك المسار السياسي، قدم رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس مبادرة حكومية للسلام أمام مجلس الأمن الدولي، في ظل رفض رسمي للمقترحات التي قدمتها الآلية الرباعية. ودعت المبادرة إلى وقف شامل لإطلاق النار، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضي السودان، وتحقيق مصالحة وطنية شاملة.
وتستند المبادرة إلى إعلان وقف إطلاق نار تحت رقابة مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، مع انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي تسيطر عليها، استنادًا إلى إعلان المبادئ الموقع في جدة في 11 أيار/مايو 2023. كما دعا إدريس المجتمع الدولي إلى تصنيف قوات الدعم السريع «منظمة إرهابية» لزيادة الضغط عليها.
ووصف إدريس، في كلمته أمام مجلس الأمن، الوضع في السودان بأنه «أزمة وجودية»، مشيرًا إلى أن الحرب اندلعت نتيجة «تمرد قوات الدعم السريع»، ومؤكدًا أنها تمثل انتهاكًا صارخًا للقوانين والأعراف الدولية، وأدت إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة ذات تداعيات إقليمية ودولية.
وأوضح أن المبادرة تهدف إلى حماية المدنيين، وصون وحدة السودان وسيادته، وإعادة الاستقرار إلى البلاد، مؤكدًا أن الحكومة لا تسعى للإفلات من المساءلة، بل لتحقيق سلام عادل ومستدام قائم على سيادة القانون.
وفي تصريحات عقب عودته إلى البلاد، شدد إدريس على رفض حكومته تكرار تجارب سابقة لوجود قوات أممية، مشيرًا إلى ما وصفه بـ«آثارها السلبية»، مع إبداء استعداد الخرطوم لقبول رقابة دولية محددة الأهداف لدعم تنفيذ السلام.
واعتبر إدريس أن التفاعل الدولي مع المبادرة كان «كبيرًا»، مشيرًا إلى أن طرحها يمثل انتقال السودان من موقع التلقي إلى موقع المبادرة داخل المجتمع الدولي لإنهاء الحرب المندلعة في البلاد لقرابة الثلاث سنوات بما يحفظ حقوق ومصالح السودانيين.
وأكد أن المبادرة تأتي استكمالًا لخريطة الطريق المودعة لدى مجلس الأمن، وتكاملًا مع المبادرة السعودية–الأمريكية، وتعكس رؤية الحكومة المدنية الانتقالية لمعالجة جذور الحرب عبر حلول سياسية وعسكرية وإنسانية متكاملة.
وجاءت المبادرة عقب رفض الحكومة لمقترحات الآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، حيث أكد البرهان أن أي حل سياسي لا يتضمن تفكيك قوات الدعم السريع وتجريدها من السلاح «مرفوض تمامًا»، معتبرًا هذا الموقف قناعة راسخة لدى قيادة الدولة.
ردود الفعل الوطنية والدولية..
بين ترحيب وتحفظ
دوليًا، حظيت المبادرة باهتمام ملحوظ، مع استعداد بعض الدول والمنظمات لدعم وقف إطلاق النار والحوار، بينما شددت أطراف أخرى على أولوية هدنة إنسانية فورية كمدخل لأي مسار سياسي.
داخليًا، تباينت المواقف، إذ اعتبرت الحكومة المبادرة فرصة لإعادة الاستقرار، فيما رفضتها قوات الدعم السريع ووصفتها بأنها إعلان لاستمرار الحرب. كما انتقد التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك المبادرة. الموقف المعلن للتحالف يلتزم الحياد ورفض الحرب، بينما تتهمه الحكومة بدعم قوات «حميدتي».
وقال التحالف إن المبادرة لم تقدم حلولًا جديدة لإنهاء الحرب، واعتبر خطاب رئيس الوزراء منحازًا لأطراف مستفيدة من استمرار الحرب، ومتجاهلًا معاناة المدنيين، لا سيما في شمال وجنوب كردفان.
وشدد التحالف على أن الطريق الأقصر نحو سلام عادل ومستدام يمر عبر الالتزام بخريطة طريق الآلية الرباعية، محذرًا من أن أي مبادرة لا تتماشى معها لن تكون جادة في وقف نزيف الدم، وداعيًا إلى هدنة إنسانية فورية دون شروط.
المدنيون في مرمى النيران
وخلال أكثر من عامين ونصف من الحرب، تكبد السودان أثمانًا بشرية مروعة، مع سقوط ما لا يقل عن 30 ألف قتيل، ونزوح ولجوء أكثر من 13 مليون شخص، وتدمير واسع للبنية التحتية. وكشفت زيارات أممية أن مدينة الفاشر أصبحت شبه مهجورة، مع انهيار شبه كامل للخدمات الصحية والإنسانية.
مبادرات دولية متعددة…
وتحديات تنفيذ
إلى جانب مبادرة رئيس الوزراء أمام مجلس الأمن، هناك جهود وساطة إقليمية ودولية أخرى تتضمن الآلية الرباعية «الولايات المتحدة، المملكة العربية السعودية، مصر، والإمارات» التي اقترحت هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر تشمل حماية المدنيين وتسهيل دخول المساعدات، وقد أبدت قوات الدعم السريع قبولًا مبدئيًا. فيما رفضتها الحكومة محذرة من محاولات لتقسيم البلاد. وتحدثت عن رفضها لهذه الآلية التي قالت أنها شكلت نفسها بنفسها وتحاول فرض وصاية على السودانيين كما اعترضت على وجود الإمارات التي تعتبرها داعما رئيسيا لقوات الدعم السريع. في المقابل رحبت بجهود السعودية ومصر وواشنطن المنفردة لحل الأزمة كما تحدثت عن لجنة ثلاثية تتكون من الدول الثلاث. وأكدت كذلك على الدور الهام للاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية.
دور مجلس الأمن
والدبلوماسية الدولية
في الأثناء يعول مراقبون على أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه مجلس الأمن الدولي في محاولة كبح التصعيد في السودان، وسط صعوبات في حشد توافق دولي قوي حول تدخل ملموس.
ورغم أن المجلس رفض محاولات الدعم السريع لتأسيس سلطة موازية، فإنه ما يزال يعمل على إيجاد صيغة توافقية تشمل وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، وهو ما يجسّد التذبذب بين الضغط السياسي والدبلوماسي مقابل الواقع المتفجر عسكريًا.
تداعيات إقليمية وأفق الحل
الحرب في السودان أثرت على الأمن الإقليمي، مع توترات على الحدود مع جنوب السودان وارتباط بعض القوى الإقليمية بالأطراف المتحاربة داخل البلاد، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد لأي اتفاق سلام قادم. بالتزامن مع تفاقم الصراع في اليمن، حيث تتقاطع مصالح أطراف المبادرة الرباعية بما يشكل طبقة جديدة من التحديات.
بين الميدان والدبلوماسية
تكشف المستجدات في السودان عن حرب متعددة الأبعاد مستمرة منذ قرابة ثلاث سنوات، أزمة إنسانية خطيرة، مبادرات محلية ومحاولات دبلوماسية دولية تصارع الزمن لتحقيق سلام هش. وتمثل مبادرة رئيس الوزراء أمام مجلس الأمن خطوة سياسية مهمة من جهة الحكومة، لكنها تعتمد، كما يرى عدد من المحللين، على الانخراط الجاد من الأطراف السودانية والدعم الدولي المكثف لضمان تنفيذها على الأرض، رغم التحديات المتعلقة برفض الدعم السريع وانتقادات بعض القوى السياسية، فيما رأى آخرون أن آمال نجاحها ستكون أفضل، إذا كانت الرؤية الحكومية بمثابة سقف قابل للتفاوض.
في نهاية المطاف، فإن سلام السودان لن يتحقق فقط عبر كلمات في مجلس دولي، فيما تؤكد معظم المبادرات على أن أي عملية لإنهاء الحرب يجب أن تبدأ بوقف شامل لإطلاق النار، حوار وطني حقيقي، ودعم دولي منسق يمكن من وقف نزيف الدم السوداني وحفظ وحدة البلاد وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها لصالح شعب طالما دفن أبنائه تحت ويلات الحرب، إلا أن آليات تنفيذ هذه المبادرات على الأرض ما تزال التحدي الأبرز لجهود إعادة الاستقرار في البلاد.



