ثقافة وفنون

أحزَانُ الشَفشَافيّ

 

معاوية محمد الحسن

(1) فكرتُ أن أُصبِح تاجراً للقماش أثناء احتدام الحرب، بعدَ أن وقعت في يدي عن طريق الصُدفةِ المحضة أطنانٌ من القماش، كانَ قد تركَها أحدُ التجار وفرَّ هارباً من جحيمِ الحرب. عثرتُ علي لفائفِ السايكوبيس والساتآن والنايلون و أصنافاً من الأقمشةِ القطنيةِ والحريريةِ مبعثرةً في كل ناحيةٍ من المكان،وكانَ بعضها ملطخٌاً بالدمِ، حيث أن بعضَ الجنود الحكوميين كانوا قد لقَوا مصرعهم داخلَ المتجر بعدَ أن طاردهم جنود المتمردين في الشوارعِ ،فلجأوا إلي هذا المتجرِ الضخم و لقوا حتفهم بين جنباتهِ في نهاية الأمر. فاضت أرواحُ هؤلاءِ العَساكر وماتوا في حربٍ ضروس، لا يعرفون كيفَ ولماذا إشتعلَ فتيُلها. تركوا دماءهم تسيلُ مثل نهر هادرٍ لتصبُغَ كثيراً من القماش باللونِ الأحمرِ القاني . لم يتبقَ وراءهم ثمةَ أثر، اللهم إلا رائحة جثامينهم العالقة في الهواء وكانت هناك أيضاً نحو خمسُ حماماتٍ بيضاء، نفقت علي النافذة وتناثر ريشُها في كل مكان وامتزج بدمِ الجنود .. هل ماتَ هؤلاءِ الرجالُ سمبلا؟ هل صعدت أرواحُهم في سبيلِ الله أم الوطنِ أم الدين أم الحرية. أكانوا يقاتلونَ رياءً أم حميةً، أم انهم فقط كانوا يؤدون المهام الموكلةَ إليهم دون أن يتساءلوا عن معني الحروب؟.. وأنتَ يا مسكين ، مالك ومال الجنود. ؟. ليكن رثاؤك للحمامِ لا للجنودِ، إن كان لابد أن تُرثي أحداً، فالجنودُ ما خُلقوا إلا من أجل أن يموتوا في ساحاتِ القتال، والاوطانُ ما خُلِقت إلا من أجلِ العذابِ والشجنِ والأناشيد والقصائدِ الحمراء وقد وجِدت الأوطانُ منذ سالفِ العصرِ والأوان من أجل أن يتسلطَ عليها الحُكام المستبدين ولم يكن للشعبِ إلا يدٌ تبطِشُ بهِ وربٌ يحميهِ .. واللهُ وحده يا حبيبي يعلمُ ما مصيرُ الطيرِ والشعب والجنودِ والحكام والأوطان. !.

(2) كانت طبقاتُ الغُبارِ الناعمِ تغطي مطوياتِ القماش وكان لا يبدو أنَ أشعة الشمسُ الصفراء التي تمدُ لسانَها وترقصُ علي الجُدران، تكترثُ لحجم المأساة التي تعتري البشر في هذه البلاد. .الجو خانقٌ في الداخل، وفي الخارجِ، لا شيء خلا الريح والدمِ وزئيرُ المدافع ولا أكاد أتذكر حقاً هل كانت السماءُ رمادية أم زرقاء؟ .. الله وحده أعلمُ بما يجري في الأكوانِ والسموات البعيدة الشاهقةِ.. ما أدركهُ تماما، ً أنني الآن واقعُ في خِضم لحظة الهلاك التي يستوي فيها كل شيءٍ تحت نيران الحرب المستعرةِ.. أستويتُ وكافة البؤساء الي سماءِ البلاد وهي دُخان. .تبوأنا عرش الجحيم الوطني في بلاد كل شيءٍ فيها غارقٌ في الهزيمةِ.. الخير هُزِم والشرُ كذلك .. الحقَ والباطل..القُبحَ والجمال.. الصمتَ منهزمٌ والكلامُ أيضاً وكذلك جميع حروفُ اللغةِ العرجاء ولفائفُ القماش المتكدسةِ في محلِ التاجرِ الثري. كل شيءٍ تعتريهِ الهزيمةُ والصمت واللهُ وحده يعلمُ كيف هو السبيلُ إلي النجاة خارج هذه الأسوارِ الجحيمية.!

(3) تُري أين هو صاحبُ المتجرِ الآن؟ هل نزَح إلي الشرقِ أم الغرب.. هل هاجرَ صوبَ الشمال البعيد في قارةِ الثلجِ والجليد، أم إستقرَ به المقام في بلادِ الجنوب ذات الشموس العنيدة،.. ياله من مسكين.! هاهو كل ما اكتنزه يذهبُ أدراجَ الرياح. .للربِ ما أعطيَ وللرب ما أخذ، وللربِ حكمةٌ عظيمةٌ وراءَ هذه المحرقة الجهنمية،كما تزعمُ جدتي المُقعدةِ العمياء وكما يزعم إمامُ الجامع وحماد صاحب عربة الكارو وعلوية بائعة الشاي وكلتوم الفدادية وكانَ هؤلاء النفر هم جميع من بقي من سكان حارتِنا.. تساءلتُ وانا أتحسس باناملي القماش الملقي تحت قدمي : ( تُري هل كانت أموالُ التاجرِ حلالا أم أن الحرامَ قد خالطها. ؟.) أخذتُ أُطيلُ النظرَ إلي الحماماتِ البيضاء الميتة علي النافذة..كانت إحداها متدلية العُنق كأنَها تُحدِقُ في الأسفل والأخريات ماتت وهن مفتوحاتِ الأعين، أجَسادهن متكومة عند ركن النافذة. .كيف نفِق الحمامُ هنا؟ مات الحمامُ مذعوراً ولا شك. لابد أنه لجأ إلي المكان مثلما لجأ إليهِ عساكر الحكومةِ المندحرين، بعد أن أفزعهُ صوتُ الرصاص في الخارج. أكانَ الحمامُ ميتاً أم أنه غرِقَ في نومٍ أبدي؟.. يا للأجنحةِ المتكسرةِ ..ياللريشِ المتناثر والمختلط بدمِ الجنود.!

(4) ليس ثمة ما يعنيني سوي هذه الأكداسُ المُكدسة من القماشِ التي لا صاحِب لها..وحيداً أسعي في مناكبِ الأرض المحترقة .. تارةً أضحك وتارةً أبكي.. الحزنُ لا حدود له والجرحُ غائرٌ عميق.. يقولُ المتمردون أن طائرات الجيش تقصفُ المدنيين وتحيلُ المباني الي ركام وتقولُ بياناتُ الجيش، أنَّ جنودَ المتمردين يعيثونَ في المدينةِ خراباً وفساداً، وأنهم قد شفشفوا جميعَ المنازلِ التي هجرها سُكانها . وقال بعضُ رجالاتِ الحكومة الذين فروا بعيداً عن العاصمة بعد أن أضحت ساحةَ كبيرةً للقتالِ، أن ّعلي المواطنيين الإبلاغُ عن أعمال المتمردين الوحشية … ها، هذا كلام فارغ جداً…هبَ أننا أبلغنا الحكومة وجميعَ طوب الأرض والشجر والسموات بما يجري، فهل في مقدورهم أن يفعلوا شيئاً..؟ الله وحده من يوقف هذه المحرقة.. الله وحده جعلها… الله وحده جعلها.!!! _

(5 ) _ أخذ (أبشر الشفشافي) يتفحصُ غنيمتي ويقول: (لا تبتئس يا صاحبي..أنت لستَ لصاً.. لستَ لصاً والله على كلِ شيء شهيد..قُلتُ لكَ مِراراً أن كل شيءٍ في زمنِ الحروبِ مباحٌ للبؤساءِ والمساكين.. الله جعلها.. الله جعلها.. الله جعلها يا صاحبي، ولا رادَ لحكمهِ.). إبتدرَ أبشر سائقُ الركشةِ مشروعَ الشفشفةِ ذات لحظةٍ تراجيدية، ساعةَ أبصرَ منزل أحد الأثرياء مفتوحاً علي مصراعيهِ ورأي إمراة شفشافية تُهرولُ خارجةً من المنزل والدماءُ تنِزُ عن جنبِها الأيسر. كانت السيدة ُتصرخ بأعلى صوتِها : (الدم.. الرصاص..الدم.. سأموت يا عالم… حي ووب! ).. وبالفعل ماتتِ المرأة المسكينة بين ذراعي ابشر وبجانبها طفلها الرضيع الذي يكادُ صراخه يطغي علي صوت اطلاق النيران.. .ماتت الشفشافية بعد أن إستوطنتِ الرصاصةُ الملعونةُ جسدها.. ماتت كما ماتَ الحمامُ في متجرِ القماش.. ماتت بعد ان أطلق عليها أحدُ الجنود النار طمعاً فيما شفشفته، ثم أطلق ساقيه للريح حينما استشعر قدوم مركبة قتالية من مكانٍ قريب.. دفن ابشر المرأةَ بمعاونةِ بعض الرجال قُرب سورِ منزل الرجل الثري،ثم حمل المنهوبات الي بيتهِ وأخذ يتطلعُ إليها : مكنسة كهربائية.. ملابس نسائية فاخرة.. حلوي شوكولاتة انجليزية.. زيت طعام.. سُكر.. أحذية جلدية. ملابس شتوية.. كريم حلاقة.. اصباغ للشعر ومرطبات للجلد ومعجون لبياض وتلميع الاسنان!!. كيفَ دفعتِ السيدة المسكينة حياتها ثمناً لهذه الأشياء التافهة؟ هاهو الطفلُ الذي تركته الشفشافيةُ خلفها وحيداً،يغرقُ في مستنقعِ الحياة، يصرخُ بجانبكَ يا أبشر ويبكي. يا الله!.يا أرحم الراحمين .. نحنُ نرجو أنت تكونَ الي جانب البؤساءِ دوماً.. لماذا تزعم العجوزُ المقعدة العمياء أن الحربَ عقابٌ ربانيّ للبشر.. من الذي يستحقُ العقابَ؟ نحنُ المسحوقين البؤساء أم الطغاةُ المترفين؟ ياللعجب!. منذ يومهِ ذاك و( أبشر) يمارسُ الشفشفة باحترافيةٍ عالية. لقد شفشفَ غالبَ بيوتِ الأثرياء وكانَ ما يفتأُ يُحدثُني فيقول: (في زمنِ الحرب، اللهُ دائماً يقفُ الي جانبِ المساكين والضعفاء ..) قلتُ:(في زمنِ الحرب وفي كافةِ الأزمان يا أبشر..) قال: (هكذا، طوبيَ لهم.. لا تثريبَ عليهم ولا حرج.. كل شيءٍ مباح لهم، الله جعلها.. الله جعلها!). هتفتُ أنا: (آلا، إنّ المعدمينَ والمسحوقينَ والضعفاءِ، لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنونَ.!) رددَ أبشر : (لا خوفٌ عليهم ولا حزن…. ولكنَ لِم تكونُ الغلبةُ للجبابرةِ والطُغاة؟ ) قلتُ: (يمدهم في طغيانهم يعمهون.) رددَ أبشر علي الفور: (يمدهم في طغيانهم يعمهون!) شَفشفَ أبشر وغنِمَ مغانمَ كثيرة في حربٍ عبثيةٍ لا معني لها… طقم جلوسٍ فاخر من بيت جارتهِ الدكتورة سلوي ، وعربة ماركة (أكسنت) يقولُ عنها سماسرةُ السيارات أنها مضلعةٌ، ذات أضلاع، إصطادهاَ أبَشر من معرضٍ للسيارات،وكانَ في ذات اليوم قد شفشفَ أيضاً نحو ثلاث واربعين مروحة سقف ونحو ستة مكيفات هواء. يقولُ أنها جديدة.. جديدة لنج.! وقال لي يوماً أن احدَ رِفاقهِ الشفشافة، قد شفشفَ بندقية كلاشنكوف واخرونَ نهبوا راجمةَ من احد الجنود حينما غرق العسكري المسؤول عن حراسةِ السلاح في النومِ وكانَ ثملاً.. أخبرت كلتوم الفدادية أبشراً أنّ حماد العربجي قد أخبرها أن جنودَ المتمردين إقتحموا بيتَها يبحثون عن جماعةٍ ،من بينهم أبشر الشفشافي،يقولون أنهم قد شفشفوا عربة مصفحة تخصهم بعد ان ترجلَ عنها عساكرهم أثناء الاشتباك ثم ولوا الادبارَ هاربينَ.!. غَنِمَ ابشر فيما غنِمَ، بدلةً رماديةً اللون باهظة الثمن مِن منزل أحد الأثرياء، لكنه أحسَ أنها غير ذات جدوي ،بعد أن وجهَ لنفسه سؤلا جوهرياً يقول : (هل يجوزُ التأنقُ في زمنِ الحرب، حيثُ المدينةِ خرابٌ وتكاد تخلو من السكان؟ .) مضيَ أبشر ينظرُ للبدلةِ الرماديةِ ويحدثُ نفسه قائلاً هكذا: (يا أبشر يا لعين، يا أردأ البشر ..قُل لي إذن: تُري لمن ستتأنقُ مرتدياً هذه البدلة والبلد ترزحُ تحت نيران المدافع والقصف. ؟) وهكذا باعَ( أبشر الشفشاف) البدلة الرمادية لأحد الجنود وبعدها بيومين عُثِر علي الجندي مقتولا في الشارع العام وكان لحظتها مرتدياً البدلة التي شفشفها وباعها له صديقي (أبشر) .. ظلت البدلةُ الحريرية تنامُ قريرةَ العين في خزانة ملابس الرجل الثري حتي أخرجها صديقي وجاري الشفشاف لتواجه مصيرها المحتوم .. ماتت وهي علي جسدِ الجندي المسكين وصحِبتهُ ملطخةً بالدماءِ الي القبر. قال آمرُالجند في ذلك اليوم بعد ان غطوا جُثمانَ الفقيد بالعلم: (كفنوا الشهيد في ملابسه التي مات فيها، الشهداء يكفنون في ثيابهم التي ماتوا فيها وهم أكرم منا جميعا..) يضحك أبشر الذي كانَ يُعَاقرُ النشوةَ المعبأةِ في قِنانٍ بلاستيكيةٍ شفافة،متعجباً من مصيرِ البدلة، لا من مصير الجندي، ثم يقولُ في صوتٍ متهدجٍ : (الله جعلها يا صاحبي.. الله جعلها! ..) واقولُ له أنا: ( الله وحدهُ أعلمُ كيف ماتَ الحمامُ في متجرِ القماش وكيف ماتت الشفشافية وكيفَ مات الجندي وكيفَ سنموتُ نحنُ.. .ليرحمِ اللهُ الجندي.. ليرحم الله الجندي مهما كانت نواياه..!) و يضحك أبشر مرةً أخري وكانَ ضحِكاً ممتزجاً بالدمعِ والعبرات: (ليرحم الله البدلة الرمادية، مهما كان نوعُ القماش الذي صُنِعت منه… وليرحم اللهُ هذه البلادَ التعيسةَ الغارقةِ في مستنقعات الدمِ والفجائع، مهما طالَ بها العذاب. !)

(6) كيف بقيت كل هذه الأطنانِ من القماشِ متكدسة هكذا حتي أندلعت الحربُ وفرَّ التاجرُ، بينما الفقراء في البلاد يسعونَ بأطمارٍ وأسمالٍ مهترئة وكيفَ ظلت مخازنُ الطعام ممتلئة بالسلع والناسُ جوعي.. هكذا الان.. الآن..كل شيءٍ متاحٌ أمام الفقراء الذين وثبوا نحو الدكاكين والسيوبرماركتات فغنموا السكر والأرز والدقيق والزيت وكل ما تشتهي الأنفس ثم اقتحموا الأسواق فاستولوا علي ما لذَ وطاب ..في زمنِ الحروب ، من المفترض أن تكون السماء في صفِ المساكين من أبناء الشعب لا سواهم.. كانت المدينةُ مصلوبةً علي ظهرِ الرياحِ السوداء.. رياحُ الموت العاتيةِ التي تَهبُ من الإتجاهاتِ الأربع، حين قالت جدتي المقعدةِ العمياء : (الحربُ يا ولدي عِقابٌ رباني بعد أن ساءتِ أفعال البشر وماتت ضمائرهم.!) وهكذا أيضا حدثنا حماد صاحبُ عربة الكارو وعلوية بائعةُ الشاي وبهذا ايضاً قال إمامُ الجامع وكلتوم الفدادية وابشر الشفشافي حينَ كان مخموراً وحين سألونيِ عن رأي الخاص تجاهَ المسألة، قلتُ لهم: (اللهُ وحده يعلم سبب البلاء والمصائبِ والحروب والآفات ويعلم همسُ النسيمِ للزهرةِ، مثلما يعلمُ كيف تكبر وتنمو الرصاصةُ وهي جنينٌ في أحشاءِ البُندقية.!)

(٧) لم اعثر علي زبائن أو مشترين للقماشِ المشفشفَ، حيث أن غالبَ الذين بقوا علي قيد الحياة، صاروا لا يشترونَ حتي قِماش الكَفن بعد أن قيضَ الله إحدي المنظمات الخيرية التي كانت توزعُ الأكفانَ بالمجان..كان شعارهم يقول: (عزيزي المواطن:مُت وأنتَ مطمئن، فنحنُ نتكفلُ بالكفن والصلاةِ علي الميتِ .!) وعندما أدركني اليأسُ بخصوصِ بيع غنيمتي من القماش ذي الخامات والالوان المتنوعة، قررتُ أن أبيعَ بعض الاجهزة الكهربائية التي كنتُ قد غنِمتها كذلك بلا قتالٍ من أحدِ المتاجر بوسطِ المدينةِ ، لكنني لم أفلح في أن أبيعَ شيئا، حيث أن مدينتي كانت تسكنها خمسةُ أشباح هم:جدتي المُقعدةِ العمياء وحماد صاحب الكارو وكلتوم الفدادية وعلوية التي تبيعُ الشاي بالاضافة إلي إمام الجامع والأشباحُ كما نعلم ليست لديها أدني ، حاجةٌ الي الكهرباء أو لمعداتها. !! وأخذتُ لاحقاً أفكرُ في طريقةٍ أخري لجلبِ الرزقِ، فقلتُ في نفسي:من الأفضل أن أعملَ مدرساً او واعظاً دينياً، لكنَ المعابدَ كانت فارغةً من المصلين والمدارسُ كانت مهجورةً بسببِ الحربِ اللعينة، وذات مرةٍ طرأت بذهني فكرةَ أن أعملَ بناءاً ولكني تذكرتُ أن لا أحد هُنا يريدُ أن يبني ما تهدمَ بفعلِ الحرب، لأن الحرب ما تزالُ مستعرةً وربما لن تضعَ أوزارها في القريبِ العاجلٍ، فلا جدويَ إذن من البناء.. ياله من حمارٍ من يَعمرُ داراً في أرض الحروب والخراب! .كنتُ أهتفُ في دواخلي وأنا ممزقٌ: (اللهُ وحده يرزقُ النمل والطيرَ والنحلَ ودوابي الأرض والطحالب ويرزقُ المساكين، ولكن الحُكامَ يسطونَ علي اقواتِنا وتحصُدنا الحروب. )

(٨) وذات يومٍ أبصرتُ جُثثاً مُكدسةً في العراء، فراودتني فكرةَ أن أعمل حفاراً للقبور، لكنَ المقابر كانت قد إمتلأت، ثم حدثَ أن تكفلَ عساكرُ الجيش الوطني بحفر مقابر جماعية لجميع السكان بالمجان في الصحراءِ البعيدة عن طريق البلدوزات والحفارات وكانَ شعارهم يقولُ: (عزيزي المواطن، لا تقلق في زمنِ الحرب. مُت مطمئناً، فنحنُ نتكفلُ بدفنك. الرسول يُعلمنا أن إكرامَ الميتِ دفنه.! وهكذا إذن باءت الفكرةُ بالفشل حين لم تعد ثمةَ حاجة لحفاري القبور!

(٩ ) في تلك الظروف والأحوال الرهيبةِ، حاولتُ أن أكسبَ رزقي بالحلال وفشلت وبالحرامِ أيضاً وفشلت وفكرتُ أن أبقي في أرضِ الوطن ففشلتُ، وأن أهاجرَ فعجِزتُ عن ذلك وفكرتُ أيضاً أن أصمتَ فكانَ الصمتُ مستحيلاً وأن أصرُخَ ولكنني لم أكن أقدر علي ذلك، لانَ الطغاة كانوا قد صادروا حنجرتي نفسها. حاولتُ كذلك أن أصبح مناضلاً فلم أستطع، وأن أصيرَ خائناً لوطني فما قدِرتُ ولقد هداني تفكيري أحياناً لأن أقف إلي جانب القوات الحكومية بيدَ أنني عجِزتُ عن ذلك وأن أدعم المتمردينَ الذين يدعونَ أنهم ثوار لكنَ قلبي لم يطاوعني ..إستنكفتُ فكرة حمل السلاح،كما إنني في ذات الوقت لم أفلِح في أن أصبح سياسياً ، يلوكُ الكلمات المنمقة السلام والحرية،كنت كائناً لولبياً لا تكاد بدايته تشبه نهايته ولا نهايته تفضي إلي بدايتهِ، وفي ذات يوم شفشفَ بعضُ الشفشافةِ المدججين بالسلاح بالسلاحِ، ما قمتُ أنا بشفشفتهِ ذات يوم وهكذا، صرتُ بين عشيةٍ وضحاها مشفشفاً، لا شفشافي. ضحك صديقي |أبشر عندما علِم بالواقعة وقال لي: -لا تبتئس يا صاحب..الله جعلها ..ما إنتَ سوي سمكةٍ صغيرة قد إبتلعتها حيتانٌ ضخمة.! _

(١٠) ثم حلِت المجاعةُ في البلاد. وهكذا، من لم يمُت بالرصاصِ ماتَ بالجوعِ ومن لم يمت بالجوعِ او الرصاص، مات بالأمراضِ الفتاكة، وفي ذات صباح حزين ماتت جدتي المقعدة العمياء، لم تحتمل غائلةَ الجوع فأسلمت الروح ولم تنسَ أن تُذكرني في ذلك اليوم الذي رحلت فيهِ، بأنَّ الحربَ عقابٌ رباني وأن ثمةَ لعنةٌ ما قد لحِقت بالبلاد وفي اليوم التالي لرحيلها، شفشفَ بعضُ المسلحين موؤنة الطعام الذي كان يدخره أبشر الشفشافي. اقتحموا المنزل َواطلقَوا الاعيرة النارية في الهواء ثم استولوا علي مخزون الطعام لكنهم لم يقربوا تلك الاشياء الثمينة التي شفشفها أبشر ذات يوم، ففي أيام المجاعة، يُصبِح الطعامُ هو أغلى ما يُشفشفُ!. قاومَ أبشر تلك الجماعةَ المسلحة، لكنهم تكالبوا عليه.. الكثرة دائماً تغلبُ الشجاعة..قاومهم طويلا لكنهم نالوا منه فاصابوه في ساقهِ اليُمني و كتفهِ.. هُرِعتُ صوب منزل أبشر، حالما بلغني النبأ، وجدتُه طريح الفِراش، يئنُ من الألم. قال لي : ( أدعُ الله لي يا صاحب، أليسَ اللهُ يغفرُ الذنوب الكبيرةَ والصغيرة معاً؟..أ ليسَ هو من يقف الي جانبِ الضعفاء في الحروبِ الصغيرةِ والكبيرةِ معاً. ؟) بكيتُ ودعوتُ الله من كل قلبي، قائلا: (اللهم آنتَ الشافي ولا شفاء إلا شفاؤك، فأشفِ عبدكَ الشفشافي.!! .) وعندَ حلولِ المساء، رحلَ أبشر متأثِراً بجراحهِ. رحلَ تاركاً مشفشاتهِ تغرقُ في الصمتِ والذهول. ! وارينَا جُثمانَ أبشر الشفشافي الثري في صباحٍ حزين وفي طريقِ عودتي من المقابر أحسستُ بأنّ قدميّ كانتا ثقيلتينِ أكثرَ مما ينبغي وخُطاي علي الشارعِ وئيدةً. كنتُ أمشي هائماً لا أدري صوبَ أية جهةٍ أسير.. السماءُ فوقي ليست مبتهجةً ولا كئيبة والبيوتُ حولي تغرقُ في الصمتِ والسراب.. تُري ماذا تقولُ هذه البيوت التي هجرَها ساكنوها؟.. المقابرُ عامرةٌ والبيوتُ خراب.. البيوتُ خراب والمقابرُ عامرة ٌ… يالها من حِكمة عظيمةٍ!! مررتُ بدارِ الشفشافي فخُيَل إلي أنها مفجوعةٌ ملتاعة تبكي صاحبها ..ها قد ماتً الشفشافي ، وماتَ المشفشفُ كذلك..ماتت الأسماكُ الصغيرة وماتت الحيتانُ المفترسة!.. وربما ماتً تاجرُ القماش أيضاً في البلاد التي نزح إليها، مثلما ماتَ الحمام وماتَ الجندي الذي أطلقَ النار علي الحمام.متي سيتنهي كل هذا؟ متي سيبتسمُ لنا الإله؟ متي ستتوقفُ الحرب وتخمدُ أنفاسِها لتبدأ الحياة؟متي سيُحلق الحمام فوق سماءنا الرحيبة مرةً أخري؟ رفعتُ بصري تجاه السماء,حاولتُ أن أبكي لكن الحُزن في قلبي كان جامدأ وصلِداً مثلَ صخورٍ بركانية. أخذتُ أُغمغمُ بلا وعيِ : يا الله، فلترحم عبدكَ الشفشافي ولترحم الحمام الذي مات في متجر القماش ولتنزل شآبيبَ رحمتك علي جدتي العمياء . ولم يكد يمضي وقتٌ طويل حتي هبت عاصفةُ هواءٍ طارئة، فحملت الي الشارعِ ريشَ الحمام الذي ما لبثَ أن غطي الأفق كله حتي بِتُ لا أري شيئاً أمامي.! ——————

*الشفشفة: مصطلح ظهر حديثاً وسط العامة إبانَ حرب السودان الحالية ويعني السرقة والنهب….

مداميك

 

تعليق واحد

  1. شكرا أستاذ معاويه بلاشك مقال شيق لكانب متمرس.تمنيت الا تنتهي هذا المقال لانها كانت تجسد وضع السودان وما كنا فيه ومازلنا فيه.مقال جميل وشيق تحس وكانما تحسه الآن.حزنت لجدتك ولابشر الشفشافي.ولكل نفس بري قتل في هذه الحرب العبثيه وهكذا كانت قدر البدله الرماديه شكرا الكاتب المبدع

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..