
د. عبد المنعم مختار
استاذ جامعي
يواجه السودان اليوم مرحلة تاريخية مفصلية تتطلب قراءة متعمقة تتجاوز التحليلات التقليدية لتركيبة الدولة وعلاقات القوى، بما يشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والأمنية والبيئية، وذلك في سياق مراجعة كل النماذج السابقة للفشل السياسي، والتمكين العسكري، والانقسامات الداخلية، مع الاستفادة من التحليلات الدقيقة التي قدمها د. عبد الله حمدوك في مقاله بموقع أفق جديد بالخرطوم في 1 يناير 2026، والتي أضاءت على جذور أزمة الدولة السودانية وضرورة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع بشكل واضح وبنّاء.
السودان لم تعد مشكلته مجرد هوية أو نزاع عابر، بل أزمات متعددة الأوجه تشمل التوازن البيئي والتنمية المستدامة والمياه والطاقة والزراعة، إضافة إلى الصراع على الموارد الطبيعية بين المجتمعات المحلية والرعاة والمزارعين، ما يجعل أي نموذج مركزي أو لامركزي يركز على السلطة السياسية فقط غير كافٍ. يتطلب الحل مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية، بما في ذلك توزيع الثروة، إدارة الموارد الطبيعية، معالجة التضخم، وتقوية القطاعات الإنتاجية لضمان استقلال القرار الوطني وعدم الاستسلام للضغوط الخارجية.
على الصعيد الاجتماعي، يحتاج السودان إلى إعادة بناء النسيج الاجتماعي الممزق، بما يشمل معالجة النزاعات العرقية والقبلية والجهوية، وتعزيز العدالة الانتقالية، ومعالجة آثار الحرب على النازحين والمشردين، ووضع برامج شاملة للتعليم والصحة النفسية والاجتماعية، لا مجرد اعتراف رمزي بالتنوع. هذه العملية تتطلب دمج المجتمعات المحلية في صنع القرار وإشراكها في الخطط الوطنية لضمان الانتماء للدولة، وهو ما يتجاوز ما طرحه حمدوك في تركيزه على العقد الاجتماعي والهويات السياسية فقط.
من منظور أمني، لا تكفي مراجعة المؤسسة العسكرية فقط لإعادة توحيدها تحت سلطة مدنية، بل يجب توسيع مفهوم الأمن القومي ليشمل أمن الموارد وحماية السكان والبنية التحتية الحيوية، مع إصلاح شامل لكل الأجهزة الأمنية، بما في ذلك الشرطة والقوات الخاصة وحماية المدنيين من المليشيات، وربط كل ذلك بإطار قانوني واضح يضمن مساءلة كاملة، وليس فقط إعادة المؤسسة العسكرية إلى السلطة المدنية.
اقتصاديًا، يجب إدراك أن السودان يواجه أزمة مالية هيكلية نتيجة الفساد وسوء الإدارة، وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وانخفاض الصادرات، وعليه يتطلب أي مشروع لبناء الدولة خطة اقتصادية شاملة تتضمن إصلاح المؤسسات المالية، وتعزيز الاستثمارات المحلية والدولية المشروطة بالشفافية، وتطوير شبكة بنية تحتية متكاملة للنقل والطاقة والمياه، وهو ما يغطي أبعادًا لم يتطرق لها مقال حمدوك بشكل مفصل.
السياسة الخارجية للسودان يجب أن تُبنى على استراتيجية شاملة للتكامل الإقليمي والتنمية الاقتصادية، لا مجرد حياد إيجابي أو تعدد مسارات. يجب تعزيز دور السودان في المنظمات الإقليمية والدولية، واستغلال موقعه الجغرافي كقوة وسطى بين دول حوض النيل وشمال وجنوب الصحراء، مع ضمان قدرة الدولة على الدفاع عن مصالحها وممارسة نفوذ متوازن في القضايا الاقتصادية والسياسية والأمنية الإقليمية.
في إطار إعادة البناء السياسي، لا يكفي تشكيل دولة لامركزية مدنية، بل يجب ابتكار نظام حكم متعدد المستويات يوازن بين سلطة المركز والأقاليم، ويضمن مشاركة فعالة للشباب والنساء والمجتمعات الريفية، مع وضع ضوابط صارمة لمنع العودة إلى المركزية المطلقة أو عسكرة الدولة. يشمل ذلك إصلاح قوانين الانتخابات، ضمان حرية الإعلام، وإطلاق مبادرات تنموية تعتمد على الشفافية والمساءلة.



