مقالات وآراء

مقتطفات من واقع الحرب في السودان

نزار ود الحسين

يقال إن شر البلية ما يضحك، وفي وطننا السودان (المكلوم والمأزوم)، تجد المصائب مبكية ومفجعة، فھي تسقط على الرأس كالحجارة، ولعل جميع ھذه المصائب، نتيجة الفعل السياسي المهترئ للنخبة الانتهازية، سواء كانوا عسكريون حالمون، أو سياسيون متلونون، ما من أخلاق أو مبادئ تحكم السياسة عندنا، المصلحة والامتيازات وحدھا من تحكم وتسيطر على الوطن، أما الوطنية فقد غدت سلعة للمتاجرة، وأصبح الارتهان للخارج، مطية الوصول السريع للسلطة.
في ھذا المقال والمقالات اللاحقة، سأطرح تساؤلات أجدها تھم كثير من المواطنين، محاولا الإجابة عليھا بشكل مباشر ومختصر، علھا تبدد بعضا من الغموض، والتشظي الذي يكتنف الحالة السياسية في البلاد.
نعم لوقف الحرب .. لكن كيف؟

لعل كلمة “نعم لوقف الحرب” أكثر جملة تتردد في الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، وھذه الكلمة -غالبا ما تستخدمها جماعة “صمود”، التي تعترض دائما على اجراء نزع سلاح المليشيا، كوسيلة تقترحها الحكومة لعودة السلام والأمن، مما يشيء بأن ھناك علاقة وارتباط مريب مع الجھة الممولة للمليشيا، فھل ھذا صحيح؟ أم أنها مجرد حالة من التبلد الوطني، جعلت بعضھم يقف في المنطقة الرمادية، ممسكين بالعصا من المنتصف كحل وسط.
إن غالبية السودانيين من حيث المبدأ، يتمنون توقف الحرب اليوم قبل الغد، لكن بوعيھم الكبير فإنهم يضيفون جملة أخرى تربط بين كلمة نعم لوقف الحرب، وھي تفكيك المليشيا ونزع سلاحها، وليس ذلك فحسب بل كثيرون، يقولون أن ذلك لا يكفي، إذ يجب محاسبة “الجنجويد -الدعم المميت – مليشيا آل دقلو” على كل الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها، وإن كان ھنالك أطراف أخرى فيجب محاسبتها أيضا، لترسيخ مبدأ المحاسبة، إذن وعليه فإن الجميع يريد وقف الحرب، لكن كيفية الإيقاف ھي فقط من تشكل نقطة الاختلاف بينھم.

ھل بالإمكان نزع سلاح المليشيا؟؟

نزع السلاح من مليشيا “آل دقلو”، ھو الإجراء الوحيد الذي يؤكد توقف الحرب تماما، كما أنه الضامن أيضا لعدم تجدد اندلاع الحرب مرة أخرى.

دوليا سبق أن حدث ھذا الإجراء، ففي دولة كولومبيا، على سبيل المثال، تم تجريد حركة “فارك” التي كانت تقاتل الجيش الكولومبي لسنوات طويلة، وإنتھت الحرب بإلقاء فارك السلاح ومن ثم تم تفكيكها وحلھا.

ورغم اعتراض كثيرين على مقترح نزع سلاح المليشيا قبل الجلوس للتفاوض، فأنھم يدعمون من غير أن -يدروا- خيار نزع سلاح المليشيا “قسرياً”، وذلك من خلال الانتصار على المليشيا “عسكرياً”، إذن فالأمر له مخرجين حصراً، أما طواعية أو بالقوة.

لأنه ببساطة ما سبيل لعودة المليشيا، بشكل أو أخر، فغالبية السودانيين باستثناء بعض السياسيين، يمانعون أن تعود المليشيا أو أن يكون لھا أي دور في الحياة السودانية تحت أي شكل من الأشكال، وذلك ما جعل شعار “بل بس” و”تنقو حتى الموت” رائجين، وقد فشلت “صمود في فھم “سيكولوجية” الشعب السوداني، ومعرفة تطلعاته ومزاجه العام، وينعكس ذلك الرفض على الأشخاص الذين يساون بين الجيش والدعم السريع، وذلك أشبه بالمثل القائل “أول القصيدة كفر”.

خصوصا وأن فاتورة ھذه الحرب “اللعينة”، قد دفعھا المواطن البسيط، من دمه وعرضه وماله وأمنه ومستقبله، وعليه فلن يكون بمقدور القوات المسلحة أن تتنازل أو تحيد عن ننزع وتفكيك ومحاسبة المليشيا.
فالجمهور العريض من المواطنين والذي يدعم القوات المسلحة، وھو من يتبني ھذا التوجه، مما يقلل ھامش المناورة لدي الجيش، وإلا لكانت الحرب قد توقفت منذ زمن، إذ أن ھذا الجمهور المصطف خلف القوات المسلحة، يشكل الغالبية العظمي من الشعب السوداني.

لكي لا تندلاع الحرب من جديد؟
لضمان عدم اندلاع أي نوع من المواجهات المسلحة مستقبلا، لابد من العمل على حل مشاكل “الهامش” في كل أقاليم السودان، وتحقيق العدالة والتنمية، وارساء دولة القانون، والحفاظ حقوق المواطن، مما ينتج عنه بالضرورة احترام ھيبة الدولة، وھذا أيضا سينعكس ايجابا على استقرار النظام السياسي للدولة.
مقولة الخليفة عمر بن عبد العزيز “حصنها بالعدل”، وھو يرد على والي حمص الذي طلب مالاً لترميم أسوار المدينة، تعني أن أمن البلاد وحمايتها يعتمدان على إقامة العدل، ونشر الحقوق، ونبذ الظلم بين الرعية، مما يولد الولاء والدفاع المستميت عن الوطن بدلاً من التحصينات المادية.

ھل حرب الكرامة توجد فيھا كرامة؟

لو كانت ھذه الحرب اللعينة، التي حدثت فيھا أبشع أنواع الانتهاكات، حرب كرامة؟، لكان كل السودانيين على قلب رجل واحد، ولكان جميعهم مصطفين خلف قيادة الدولة والجيش لكن الحقيقة المرة أنھا حرب الكيزان، وھم الذين فرضوها “بخسة” على الوطن والمواطنين والجيش
.
ففي مصر على سبيل المثال، يوجد كثير جدا من النازحين – أولئك الذين لا يجدون لقمة يأكلونها، فيضطرون للتسول “نساءً وأطفالاً” أمام المطاعم ومتاجر الأكل.
وكثير من أولئك النازحين لا يجدون ثمن الايجار، بعد أن تطاول أمد الحرب، ونفذت مدخراتهم وما يمكن بيعه لدفع قيمة الإيجار، أما النازحين داخل معسكرات اللجوء داخل وخارج السودان، فإن وجدوا الأمان فأنھم لا يجدون الماء الكافي، ولا حتي الدواء، بسبب انعدام المال الذي يتعيشون منه، والقائمة طويلة من الاحتياجات التي يندى لھا الجبين.

لكن رغم تلك المآسي، والبطولات التي سطرها الشعب السوداني صبراً وبسالة وتضحية، فإنهم يعتقدون أنه لن تكون لديھم أي كرامة مستقبلاً، خاصة بعد ھذه الفاتورة الباھظة التي دفعوھا، إذا عادت المليشيا، أو لم يتم نزع سلاحها، لأنه ما من ضمان إذا بقيت المليشيا بسلاحها، أو بقيت بدون محاسبة على جرائمها.

إن ما يجعل كثير من السودانيين صابرون على ويلات ھذه الحرب ومعاناتها، واصطفاف غالبيتهم العظمي خلف القوات المسلحة، ھو الأمل -القريب في انتصار الجيش على مليشيات آل دقلو، وعودة الأمن والسلام.
ولعل ھذا يحمل القوات المسلحة عبء أكبر، للإسراع في حسم المعركة، وذلك بالقضاء على المليشيا وأعوانها من الخونة والمتآمرين، فإن ھي فعلت ذلك، فلربما ذلك يعيد للسودانيين بعضا من كرامتھم التي انتزعت منھم قسراً، وإن ھي ابطأت عن قصد أو تراخت أو باعت قيادتها، فإن ھنالك حديث أخر يمكن تناوله في المقال القادم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

.. وللحديث بقية
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..