عركي : حين يغنّي رجل واحد… فهذا لأن العالم قرّر أن يصمت

ما فعله أبو عركي البخيت على خشبة المسرح القومي في عيد استقلال السودان ليس عرضًا فنيًا، ولا لحظة وجدانية عابرة.
إنه فعل احتجاج كامل، ووثيقة إدانة أخلاقية، وصرخة موجّهة لا إلى الداخل السوداني فقط، بل إلى العالم الذي يرى الحرب والقتل الجاني للمدنيين العزل نساء وأطفال ويختار الصمت.
حين وقف عركي وحيدًا، بلا جمهور وبلا فرقة موسيقية، لم يكن المشهد نتاج ظرف طارئ، بل خلاصة حرب.
فالشعب لم يتخلّف عن الحضور لأنه لا يريد الفرح، بل لأنه مُبعثر قسرًا: نازح، لاجئ، محاصر، أو محكوم بالخوف.
وهكذا تحوّل المسرح الخالي إلى صورة دقيقة لدولة غابت عنها مواطنيها، وبقيت هياكلها واقفة بلا روح.
لم يغنِّ عركي للاحتفال بالاستقلال،
بل لإدانة الحرب التي التهمت الوطن،
ولفضح المتاجرة بها باسم السياسة، وباسم الأمن، وباسم الواقعية الدولية.
غنّى ليقول إن الاستقلال لا يُقاس بالأعلام ولا بالمناسبات،
والخطب الرنانة
بل بقدرة الناس على الحياة،
وبحقهم في وطن لا يُدار كغنيمة،
ولا يُستنزف كملف تفاوضي بارد.
في هذا المشهد، يصبح الغناء أصدق من بيانات الأمم المتحدة،
وأشرف من لغة “القلق العميق”،
وأعلى صوتًا من صمت العواصم الكبرى التي تعرف أن ما يحدث في السودان جريمة مكتملة الأركان، لكنها تفضّل تسميتها “نزاعًا معقّدًا”.
هنا لا يمكن إعفاء المؤسسات الدولية ولا الإقليمية.
فالاتحاد الأفريقي، الذي يُفترض أنه حارس السلم في القارة، اكتفى بدور المتفرّج.
وسيطرة لغة التوازنات، والخوف من “تفكيك الدولة”، تحوّلت عمليًا إلى تفويض غير معلن لاستمرار الحرب.
الصمت هنا ليس عجزًا…
الصمت اختيار سياسي.
كما كتب فرانز فانون:
الاستعمار لا ينسحب، بل يغيّر أدواته.
وما يجري في السودان هو أحد أشكال هذا الاستعمار الجديد:
حرب تُدار بأيدٍ محلية،
لكن تُغذّى بمنطق إقليمي وعالمي:
سلاح يُباع،
موارد تُنهب،
وفوضى تُدار ببرود.
السودان اليوم ليس فقط ساحة قتال،
بل سوقًا مفتوحًا لتجارة الحروب،
حيث تتحول الجغرافيا إلى غنيمة،
والدم إلى تكلفة جانبية،
والشعوب إلى تفصيل غير مهم وسردية حرب مدلسة مضللة.
في هذا السياق، يصبح موقف الفنان أبو عركي البخيت أكثر خطورة مما يبدو.
الرجل لم يغادر السودان،
لم يختَر منفىً آمنًا،
ظلّ لسنوات الحرب قابعًا في بيته،
معرضًا نفسه للخطر،
صامتًا بصبر نبيل ، لا بتواطؤ.
يتخذ موقفا اخلاقيا …
وحين خرج، لم يخرج ليغنّي فقط،
بل ليقول لا… أخيرًا وبصوت عالٍ.
لا للحرب.
لا لصمت العالم.
لا لتحويل وطن كامل إلى ملف بارد على طاولة تفاوض.
كما قالت هانا آرنت:
حين يصبح الظلم نظامًا، تصبح المقاومة واجبًا أخلاقيًا.
الغناء هنا ليس فنًا فقط
بل مقاومة مدنية عارية.
صوت فرد في مواجهة منظومة كاملة من السلاح، والصمت، والمصالح.
والصراع حول السلطة علي جثة الوطن .
لم يكن عركي وحده لأن لا أحد يحبه،
بل لأنه اختار أن يقف وحده حيث غادر الجميع.
هذا الغناء لم يكن احتفالًا، بل اتهامًا.
وحين يغنّي رجل واحد في مسرح خالٍ،
فالمشكلة ليست في الصوت ولا الموسيقي …
بل في عالمٍ قرّر أن لا يسمع.



