مقالات وآراء

السودان: لعنة الجغرافيا…

 

لقد تعرّضت أرضنا لانتهاك صريح، ومُسّ شرفها حين امتدت إليها أطماع من ظنناهم جيراناً، فإذا بهم يتقدّمون صفوف الغزاة عبر التاريخ، ومن حسبناهم أشقاء فإذا هم خناجر مغروسة في خاصرة الوطن.
لم يكن ما جرى لانتهاك سيادتنا عارضا ولا زلّة سياسية عابرة، بل خيانة مكتملة الملامح، داست التراب ثم ادّعت حق امتلاكه، وما زال جشعها يتسع، تغذّيه أصوات خونة الداخل الذين باعوا أقلامهم وصاغوا الدعوة لاعادة تدوير التاريخ حبراً مأجوراً.
كُسر العهد، واغتيل المعنى، وتهاوت القيم تحت وطأة ادعاء الأخوّة الجوفاء وزيف الجوار المخادع.
وفي مثل هذا المقام، لا يعود الصمت فضيلة، ولا الانتظار ضربا من الحكمة؛ إذ يصبح الاعتراض حقاً مشروعاً، وتغدو المقاومة الأخلاقية واجباً وطنياً لا مناص منه.
فالأرض التي انتُهكت لا تنسى أبناءها، وأبناؤها لا ينسونها، والكرامة حين تُمسّ لا تُستعاد إلا بموقف صريح وإرادة وطنية واعية.
أما ما يُسمّى بخطوط حمراء، داخل بلادنا فما هي إلا أطماع مرسومة بدماء الأبرياء، تكشف عمق الخيانة وسقوط ادعاءات الأمن القومي المتوهم.
ويزداد المشهد فداحة حين تُقابل هذه الانتهاكات بتصفيق أصحاب القرار، وكأن مفهوم السيادة مجرّد شعار قابل للتأويل أو ورقة للمساومة ضد من يعتبرونهم أعداء الداخل.
إن السيادة ليست خطابا يُستهلك، بل حقٌ أصيل لا يقبل التجزئة، وأي تفريط فيه هو إقرار صريح باستباحة الوطن وإضفاء شرعية على الظلم والمظالم.
لأن التي اغتُصبت هي السيادة، والتي انتهكت هي الكرامة، والذي نُهب هو الحلم، والثروة، والحرية.
لقد استُفرد بنا ليلا، حين هجم من يخفون خلف ابتساماتهم خنجر الخيانة.
تمت المؤامرة على وطن غارق في سباته البريء، ولم يطلع له فجر بعد.
كم يخيفنا صمتنا حين يسكننا، وكم يحزننا ضعفنا حين يكبلنا.
حين تتحول اللحظة إلى دهر، ويتبخر الزمن في فراغ الانتظار، تتراكم الخيبات، وتتعاظم الانكسارات، وتغدو أفراحنا وهما، وسعادتنا خداعا، وأحلامنا مؤودة قبل أن تولد.
نضحك بضحكات مستعارة، ونبتسم مجاملة، بينما الجراح غائرة، والقيم مختلة، والثوابت زائفة.
وما أكذب الادعاء بالدفاع عن “الشرف” حين يتم اختزاله في نزوة عابرة، بينما يُداس الشرف الحقيقي بحوافر التتار الجدد، وتُنتهك الكرامة نهارا جهارا، بين اللحية والزبيبة وبين السرج والصريمة، على مرأى من رجولة صودرت، وإرادة أُخصيت.
الهزيمة الحقيقية ليست في الهتاف الكاذب، بل حين تُستباح الأرض، ويُنهب الوطن، ولا يجرؤ تجار الوطنية وعبدة السلطان والمال على رفع سيف العزة أو رمح المروءة.
تلاشت معالم الجغرافيا، لا لأن الأرض زالت، بل لأن السيادة مُسحت، والحدود صارت مجرد ذاكرة متعبة.
بات الوطن حاضرا في الخزين الوجداني أكثر مما هو موجود في الواقع السياسي.
دولة بأكملها أرهقها الاكتئاب، يسكنها الخراب، وتتشح بأحزان الثكالى، ومع ذلك ما زلنا ننتظر “غودو” الذي لن يأتي أبداً.
ويا لبؤس أمة باعها بعض نخبتها بأبخس الأثمان، فتحولوا إلى سدنة للسلطان، وعبدة للمال.
المفارقة القاسية أن شبابا من ذات الأرض، ومن ذات الحليب، يقفون على ضفتين متناقضتين:
ضفة الخيانة والنفاق الوطني، حيث يتم الدفاع عن الاستبداد طمعا في أحلام صغيرة،
وضفة أخرى، على نهر البطولة والفداء، يقف فيها شباب مستعدون لدفع أرواحهم رخيصة من أجل حرية الجميع، حتى أولئك الذين يصرّون على عبوديتهم، ويسعون فقط لتحسين شروطها تشملهم هذه التضحيات.
من قال إن بطن الأرض “بطرانة” فقد صدق؛ فهي تنجب الخائن كما تنجب الشهيد.
والمجد لأولئك الذين سقوا الأرض بدمائهم، ليذكرونا أن الحرية لا تُوهب، بل تُنتزع، وأن لها ثمنا، وأن “للحرية الحمراء باباً، بكل يد مضرجة يُدق”.
لقد سمع العالم صخب تلك الطرقات، وقريبا ستُفتح الأبواب على مصاريعها، ونستنشق جميعا هواء الحرية.
ذلك ليس حلما شاعريا، بل وعد من الذين صعدت أرواحهم إلى ذرى المجد، وكتبوا بدمهم المعنى الحقيقي للوطن.

 

 

‫2 تعليقات

  1. مقال رائع يليق يعبر عن فهم عميق وحقيقي وصادق للواقع وكذالك يعبر عن كل أماني ومشارب من يتوق للحرية والسلام والإخاء. .
    وكذالك يمكنني أن اضيف بأن هؤلاء الشباب الذين ضحوا بحياتهم من أجل الوطن ومن أجل الحرية والعدالة الاجتماعية والحرية وضد الإستبداد الذي جثم على صدر الوطن لستين عام. فبمثلكم لابد أن ننتصر وينتصر النور على الظلام.
    حرية سلام وعدالة و وتأسيس خيار الشعب.

  2. الأخ ود مهدي آدم لك التحية والتقدير…..
    يسعدني هذا التفاعل العميق والصادق، وأشكرك من القلب على كلماتك التي تنبع من وعي حيّ وضمير وطني يقظ. ما تفضلت به ليس مجرد رد على المقال، بل شهادة حق في زمن اختلطت فيه الأصوات، وتأكيد على أن جذوة الأمل ما زالت متقدة في صدور الأحرار.
    إن الاستبداد، مهما طال أمده، إلى زوال، لأن إرادة الشعوب أقوى من القهر، ولأن النور لا بد أن ينتصر على الظلام. ومع أمثالكم، ممن يحملون الكلمة الصادقة والموقف الواضح، يشتد عود الوعي، ويترسخ خيار الشعب بوصفه الأساس المتين لأي مستقبل يُراد له أن يكون حراً، آمناً، وعادلا.
    حرية، سلام، وعدالة… ليست شعارات عابرة، بل عقد أخلاقي بين الحلم والتضحية، وبين الذاكرة والمستقبل. شكري وتقديري لك، ولمثل هذا الحضور الذي يؤكد أن الطريق، رغم قسوته، ما زال يستحق أن يُسلك.
    سلام لا ينتهي

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..