مقالات وآراء

بين نقاء النظرية ورمادية الواقع.. ردًّا على ضياء الدين محمد أحمد  

عاطف عبدالله

وأنا أطالع مقال الأستاذ ضياء الدين محمد أحمد بعنوان“من ميثاق القاهرة إلى إعلان نيروبي: تسويات الهبوط الناعم في مواجهة المشروع الجماهيري الثوري”، المنشور بصحيفة الميدان، استحضرت مقولة الشاعر والفيلسوف الألماني يوهان غوته: “النظرية خضراء، وشجرة الحياة رمادية”.

فالمقال، على الرغم من تماسكه النظري وقوة لغته التحليلية، ينتمي في جوهره إلى عالم الأفكار المجرّدة، وبعيد إلى حدٍّ كبير عن الواقع السوداني الراهن. فنحن لا نناقش السياسة في سياق افتراضي، بل نعيش لحظة انهيار شامل للدولة والمجتمع، فرضتها حرب مدمّرة شرّدت الملايين، ودمّرت المدن، وأرهقت ما تبقّى من النسيج الاجتماعي. وفي مثل هذه اللحظة، لا يملك السودان ترف الاصطفافات الأيديولوجية الصافية، ولا انتظار اكتمال الشروط الثورية المثالية وفق المفهوم الماركسي الكلاسيكي.

في لحظات الانكسار الكبرى، لا يصنع التاريخ أولئك الأكثر تشدداً في الشعارات، بل من يمتلكون القدرة على إيجاد المخارج، وتقليل الكلفة الإنسانية، وفتح مسارات عملية لوقف الحرب. فالسودان اليوم لا يقف أمام خيار ثورة مكتملة الشروط أو تسوية مثالية، بل أمام مفاضلة قاسية بين مسارات ناقصة تسعى إلى وقف الانهيار، وبين استمرار حرب مفتوحة تخدم، موضوعياً، بقايا النظام السابق واقتصاد العنف، مهما تنوّعت المبررات الخطابية.

إن اختزال جميع المسارات السياسية، من ميثاق القاهرة إلى الاتفاق الإطاري وصولاً إلى إعلان نيروبي، في كونها مجرد “مشاريع هبوط ناعم”، يمثل تبسيطاً مخلّاً بالواقع. فالبديل الواقعي لرفض هذه المسارات ليس نظام اشتراكي كامل الدسم، أو سلطة جماهيرية وشيكة، بل فراغ سياسي تملؤه القوة المسلحة، وتديره شبكات السلاح والمال والتنظيم العسكري. وفي هذا السياق، لا يصبح رفض التسويات موقفاً راديكالياً، بقدر ما يتحوّل إلى انسحاب من المجال السياسي، وتسليم فعلي له لصالح العسكر وتجار الحرب.

قد تكون النظرية متماسكة، لكن الواقع لا ينتظر. فالسودانيون يعيشون تحت وطأة الجوع والنزوح وانعدام الأمن، ولم يعودوا يحتملون خطاباً يرفع سقف الصراع دون تقديم أدوات عملية لوقف نزيف الدم والمعاناة. إعلان نيروبي، ومعه مبادرة الرباعية، لا يقدّمان خلاصاً نهائياً ولا حلاً جذرياً، غير أنهما يطرحان خطوات ملموسة: وقف الحرب، توسيع الجبهة المدنية، كسر الاستقطاب الصفري، وفتح مسار سياسي يحول دون اكتمال سيناريو الدولة الفاشلة. وهذه، في السياق الراهن، ليست تفاصيل هامشية.

أما الموقف الذي يرفض أي تقاطع مرحلي، ويُسقط كل محاولة سياسية تحت شعار “إعادة إنتاج الدولة القديمة”، فإنه – بقصد أو بغير قصد – يصب عملياً في مصلحة القوى الأكثر تسلحاً وتنظيماً، ويُبقي الحرب مفتوحة بلا أفق. كما أن هذا التشدد، الذي يُقدَّم بوصفه راديكالية ثورية، بات في الواقع أحد أبرز معوّقات بناء جبهة مدنية عريضة، وهي الجبهة التي يتطلع إليها قطاع واسع من السودانيين لا كطرح نظري، بل كضرورة وجودية.

إن الخطر الحقيقي على هذا الخطاب لا يتمثل في فقدان ما يُسمّى “نقاءه الثوري”، بل في عزلته المتزايدة عن قاعدته الاجتماعية، وعن المزاج العام المنهك الذي يبحث عن مخرج عملي، لا عن مزيد من السجالات النظرية في الاقتصاد السياسي للحرب. وحين تتحوّل الماركسية إلى محكمة أخلاقية دائمة، تفقد قدرتها على الفعل السياسي، وتتحول من أداة للتغيير إلى خطاب احتجاجي معزول.

إعلان نيروبي ليس نهاية الصراع، ولا يدّعي أنه بديل جذري للثورة، لكنه محاولة لوقف السقوط الحر، وخلق حد أدنى من التوافق المدني في مواجهة حرب عبثية. أما القفز إلى الأمام عبر شعارات قصوى دون أفق عملي، فلن يعيد بناء الحركة الجماهيرية، ولن يحمي الثورة، بل يترك الساحة خالية للقوى المسلحة، ويطيل أمد معاناة شعب لم يعد يحتمل مزيداً من التجريب النظري.

خلاصة القول:

التاريخ لا ينتظر، والسياسة في لحظات الانهيار تُقاس بقدرتها على تقليل الخسائر وفتح المسارات الممكنة، لا بحدّة الشعارات والتفلسف الما بودي ولا بجيب.     
النظرية قد تكون خضراء، لكن واقع السودان رمادي، ومثقل بالدماء.

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..