حين يرتدي الغيم قناعًا: في نقد الذات السياسية للشخصية السودانية

«افتحوا للعائد الليلة أبواب المدينة
افتحوا أبواب المدينة
أنا منكم. تائهٌ عاد يغنّي بلسانٍ
ويصلّي بلسانٍ
مطرًا أسود ينثوه سماءٌ من نحاسٍ
وغُمامٌ أحمر…
أنا منكم.. جرحكم جرحي.»
بهذه الروح التي تستعصي على الاختزال، كتب محمد عبد الحي عن إنسان لا تختصره لحظات الانكسار، ولا تلغيه العتمة العابرة. ويقول حميد، وهو يلامس جوهر العلاقة بين الإنسان والأرض: «الأرض لو ما بتلقانا، بنلقاها فينا».
بين هذين الصوتين، يتبدى السودان لا كحدود جغرافية، بل كوطناً يسكن الإنسان قبل أن يسكنه. غير أن هذا الوطن ذاته، حين ينتقل من الوجدان إلى السياسة، ومن الاجتماع الأهلي إلى الفعل العام، يتشظى، ويتحول إلى موضوع صراع، لا إلى أفق اشتراك.
من هنا تنبع الحاجة إلى مساءلة أعمق، لا تنصرف إلى نقد الوقائع وحدها، بل تتجه إلى تفكيك العقل الذي ينتجها، والذات التي تبررها، أي إلى ما يسميه علي حرب نقد الذات المفكرة بوصفه شرطًا لكل نقد فعلي.
ليست الشخصية السودانية معطى ثابتًا ولا ماهية مكتملة، بل هي سيرورة تاريخية وثقافية مفتوحة، تشكلت عبر طبقات متراكمة من التجربة الاجتماعية، والتكوين الأهلي، والتدخلات الاستعمارية، ومخاضات الدولة الوطنية غير المكتملة.
غير أن ما يلفت النظر، ويستدعي وقفة نقدية جذرية، هو هذا التناقض الحاد بين إنسان اجتماعي مشبع بقيم التضامن، والنجدة، والكرم، والتسامح، وبين فاعل سياسي يمارس الإقصاء، ويستدعي خطاب الكراهية، ويستثمر في انقسام الجماعة لصالح مآلات ذاتية ضيقة.
هذا التناقض لا يمكن فهمه بوصفه انفصامًا أخلاقيًا بسيطًا، بل هو نتيجة بنية ذهنية وسياسية لم تخضع بعد لنقد ذاتي عميق، وظلت تشتغل داخل مسلمات مقدسة وممتنعات غير مفكر فيها، أي داخل ما يسميه علي حرب حدود التفكير التي لا يفكر فيها الفكر.
إن تفكيك هذه المفارقة يقتضي، أولًا، نقل النقد من مستوى السلوك الظاهر إلى مستوى أنظمة التفكير التي تنتجه. فالمسألة ليست في غياب القيم الإنسانية عن الشخصية السودانية، بل في عجز هذه القيم عن التحول إلى قواعد ناظمة للفعل السياسي.
في المجال الاجتماعي، تعمل هذه القيم بوصفها أخلاقًا عملية، تحكم العلاقات اليومية، وتؤسس لثقة متبادلة، أما في المجال السياسي، فإنها تتراجع أمام منطق الغلبة، وتفسح المجال لعقل أداتي، يرى في الآخر عقبة لا شريكًا، وفي الوطن رصيدًا رمزيًا لا مشروعًا مشتركًا، وهو ما يلتقي مع تصور ميشيل فوكو للخطاب بوصفه ممارسة تنتج السلطة بقدر ما تنتج المعنى.
هنا تتجلى أهمية نقد الذات المفكرة، على النحو الذي يحرره علي حرب من طابعه الأخلاقي المباشر، ليحوله إلى ممارسة معرفية صارمة. فالأخطر من الممنوع، أي ما تحظره السلطة أو الأعراف، هو الممتنع، أي ما لا يخطر على بال الفاعل السياسي مساءلته.
هذا الممتنع يتمثل في يقينيات الهوية، وفي خطاب الطهرانية السياسية، وفي الاعتقاد الراسخ بامتلاك الحقيقة أو تمثيل الوطن حصريًا.
وبهذا المعنى، فإن كثيرًا من ممارسات الإقصاء لا تصدر عن سوء نية واعٍ، بل عن بنى ذهنية تعيد إنتاج ذاتها تحت ستار الأخلاق أو الوطنية، وهو ما يندرج ضمن ما يسميه بيير بورديو الهيمنة الرمزية التي تعمل عبر اللغة والتمثلات لا عبر الإكراه المباشر.
تشتغل هذه البنى عبر خطاب مزدوج، يعلن الانحياز للوطن في مستواه الخطابي، بينما يعيد تفكيكه في مستوى الممارسة.
فالوطن، في هذا السياق، لا يظهر ككيان جامعًا، بل كأداة صراع، يرفع اسمه لتبرير الإلغاء، وتستدعى رمزيته لإقصاء المختلف.
وهنا تتجسد الملامح الشيطانية للفاعل السياسي، لا بوصفها شراً أخلاقيًا مطلقًا، بل بوصفها نتيجة عقل سياسي لم يتعلم بعد كيف يرى نفسه جزءًا من شبكة علاقات، لا مركزًا لها، وهي فكرة تتقاطع مع نقد فوكو لمركزية الذات الحديثة بوصفها وهمًا سلطويًا.
كما أن خطاب الهوية، حين ينفصل عن النقد، يتحول من أداة تعريف إلى آلية تعبئة، ومن فضاء انتماء إلى سلاح رمزي.
فالاختلاف، بدلًا من أن يكون مصدرًا للغنى، يغدو علامة تهديد، ويعاد تأويله داخل سرديات الخيانة أو العمالة أو الانحراف.
وفي هذا المناخ، يتراجع الحوار، لا لأنه ممنوع، بل لأنه ممتنع، أي لأن شروطه المعرفية والأخلاقية غير متوفرة داخل العقل السياسي ذاته، وهو ما ينسجم مع تصور أنطونيو غرامشي للهيمنة الثقافية بوصفها صراعًا على تعريف المعنى والشرعية.
أما المثقف السوداني، فهو ليس خارج هذا الاشتباك، بل هو جزء منه.
فكثيرًا ما يؤدي دور الوسيط المبرر، أو الناطق باسم الجماعة، بدل أن يكون فاعلًا نقديًا يكشف تناقضات الخطاب ويعري آليات السلطة.
يتحول الخطاب الثقافي، في هذه الحالة، إلى ممارسة تمثيلية، تنتج الشرعية بدل أن تسائلها، وتعيد إنتاج الهيمنة بدل أن تفككها.
وهنا يتأكد أن الأزمة ليست في غياب الوعي، بل في توظيفه داخل منطق الصراع، لا داخل أفق البناء، وهو ما يتعارض جذريًا مع تصور يورغن هابرماس للفعل التواصلي القائم على الاعتراف المتبادل لا على منطق الغلبة.
إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه، في ضوء كل ذلك، هو سؤال الوطن ذاته.
أين الوطن في هذا الاشتباك المحموم على السلطة والمعنى؟ وكيف يمكن تحويل التعاطف الاجتماعي العميق، الذي يظهر في لحظات الكوارث والأزمات، إلى عقدٍ سياسي دائم، لا إلى استثناء عاطفي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تمر عبر شعارات الوحدة، بل عبر تفكيك عميق لمنطق الأنا السياسية، وإعادة بناء المجال العام على أساس الاعتراف، لا الغلبة، والشراكة، لا الاحتكار.
إن نقد الشخصية السودانية، في بعدها السياسي، لا يستهدف نزع إنسانيتها ولا التشكيك في عمقها الأخلاقي، بل يسعى إلى تحرير هذه الإنسانية من أسر عقل سياسي معطوب.
فالوطن لا يبنى بالنوايا الحسنة وحدها، ولا بالخطاب الأخلاقي المجرد، بل بقدرة الذات على مساءلة نفسها، والاعتراف بحدودها، وتجاوز ممتنعاتها الداخلية، أي بالمعنى الذي يجعل النقد ممارسة تحولية لا مجرد إدانة.
حين يتحول النقد إلى ممارسة داخلية، لا إلى إدانة خارجية، وحين يكف الفاعل السياسي عن تمطي خيل الأنا، وينزل إلى أرض الشراكة، يعود الغيم غيماً، لا قناعًا، ويستعيد الوطن معناه كفضاء مشروعًا حيًا، تصنعه الأيدي المختلفة بعقل نقدي واحد، مفتوحًا على الإنسان، أولًا وأخيرًا،
فتتحدث الأرض والهوية بصوتها الذي خرج رزاز غيمها من كلمات محمد عبد الحي:
«ها أنا أعود…
حيث لغة السماء،
وحيث جرحكم صار حضوري…
الأرض تستقبلني كأهلها، والهواء يغني باسمي.»
م. معاوية ماجد




أولاً وأخيراً (حين يتحول النقد إلى ممارسة داخلية، لا إلى إدانة خارجية، وحين يكف الفاعل السياسي عن تمطي خيل الأنا، وينزل إلى أرض الشراكة، يعود الغيم غيماً، لا قناعًا، ويستعيد الوطن معناه كفضاء مشروعًا حيًا، تصنعه الأيدي المختلفة بعقل نقدي واحد، مفتوحًا على الإنسان)
مدخل لتعافي التفكير الجمعي بعيداً عن الغلو والتطرف والمكابرة وركوب الرأس..
سلمت يداك
الأغرب في الحالة السودانية، هو كيفية لفظ من يمكن أن يضع الأمور في نصابها، حمدوك نموذجا.
كان ينقصنا الكثير من الحظ لكنها اللعنة التي يختنق فيها النور بعتمة الأشباح