مقالات وآراء

عودة الكيزان من بوابة الدم

لم تكن الحرب قدراً أعمى، ولا انفجاراً عشوائياً لصراعٍ بين قوتين مسلحتين خرجتا عن السيطرة. ما جرى في السودان هو واحدة من أكثر عمليات الاستغفال السياسي فجوراً وقبحاً في تاريخنا الحديث، عملية أُعيد فيها تدوير الجريمة نفسها، لكن بوجوه جديدة وخطاب مختلف، بينما العقل المدبر واحد: الحركة الإسلامية.
لقد مُنِح الدعم السريع، بصناعته الأولى، طبقاً من ذهب. لا لأنه كان قوة مستقلة، بل لأنه كان الابن الذي ربّته الحركة الإسلامية في الظل، وسقته من ذات العقيدة الأمنية، وشرعنته بذات المنهج: السلاح فوق الدولة، والعنف بديلاً للسياسة، والإفلات من العقاب قاعدة لا استثناء. وحين كانت بندقية الدعم السريع وبندقية الإسلاميين واحدة، ارتُكبت الموبقات في دارفور، وكردفان، والخرطوم، وبمباركة وتشجيع مباشر من الجيش نفسه، الذي يتظاهر اليوم بدور الضحية.

لكن ما الذي تغيّر؟
الذي تغيّر هو السلطة، لا المنهج.
حين فشل الدعم السريع في تطبيع وجوده مع المجتمع، وحين ظل جسداً مسلحاً بلا حاضنة مدنية حقيقية، أدركت الحركة الإسلامية أن اللحظة سانحة. هنا تحرّكت كوادرها داخل الجيش، لا دفاعاً عن وطن، بل ركوباً لظهره. حرّكت الغُبن الشعبي، لا نصرة للضحايا، بل توظيفاً لآلامهم. صاغت خطاباً أخلاقياً زائفاً، بينما سجلها القريب يشهد بأنها كانت بالأمس القريب تبارك الانتهاكات نفسها وتصفق لها.

لم يكن إشعال الحرب استعجالاً عسكرياً، بل حساباً سياسياً بارداً. الحركة تعلم أن خصمها الجديد – ابنها المتمرّد – سيمارس ذات الجرائم المتفق عليها بالأمس، وبذلك تُصنع الفرصة الذهبية:
يتحوّل الخطاب من التبرير إلى التحريض،
ومن السكوت عن الفظائع إلى المزايدة الأخلاقية،
ومن الشراكة في الجريمة إلى ادعاء الطهارة.
وهنا بلغت الخديعة ذروتها.
فوق كل هذا الخراب، ورغم الدم المسفوح والبيوت المنهوبة، لو خرج الدعم السريع اليوم ليقول إنه سيوجّه سلاحه نحو قوى الحرية والتغيير، وصمود، وكل من له صلة بديسمبر، فإن حميدتي نفسه سيجد طريقه ممهداً إلى القصر الجمهوري. غرف الضلال جاهزة لإعادة تدويره، ومنظومة الصناعات الدفاعية – الذراع المالي للكيزان – حاضرة للتمويل، والآلة الإعلامية قادرة على قلب السردية في أيام قليلة. هكذا تُدار اللعبة: العدو ليس من يقتل المدنيين، بل من يهدد عودة التنظيم.

الشعب السوداني لم يُخدع بخطأ بريء، بل استُغفل عمداً. استُخدمت مشاعره، وجراحه، وخوفه، ليُدفع إلى معركة لا تحميه، ولا تُنهي الحرب، ولا تؤسس لدولة. معركة هدفها الوحيد إعادة إنتاج سلطة لفظها التاريخ، لكنها تعرف جيداً كيف تعود عبر الدم.
هذه ليست حرب وجود، بل حرب استعادة امتيازات.
ليست معركة كرامة، بل مسرحية كبرى لإعادة تموضع المجرمين.
ومن يظن أن الانتصار العسكري – إن حدث – سيعيد للبلاد عافيتها، يتجاهل السؤال الأخطر: ما قيمة النصر بعد دمار الوطن؟
لو ذهب الجيش كله، لن يذهب السودان.

لكن إذا عاد التنظيم، فلن يبقى من السودان سوى اسم على الخريطة.

د التوم حاج الصافي زين العابدين .خبير علاقات دولية .نيويورك .

‫2 تعليقات

  1. حاج التوم في دي كذبت
    العدو ليس من يقتل المدنيين، بل من يهدد عودة التنظيم
    انت شغال تطبل وتدافع عن العدو كأنك واحد منهم استحوا شوية واخجلوا دا وطن والامن القومي السوداني خط أحمر
    كيف يعني العدو ليس من يقتل المدنيين
    الذين استشهدوا من المدنيين في الخرطوم والجزيرة وسنار وجبل موية والنيل الازرق والابيض وكردفان الغرة ودارفور والفاشر والجنينة ونيالا لوحدها يفوق خيال قحت تاسيس وصمود لانهم قابضين دراهم ال زائد ودولار المنظمات اللوبية ودهب القوني وال دقلو يا اخي استحوا انصاف سياسيين انتم من أين اتيتم الم تتعلموا في السودان الجريح الم ينجبكم السودان الم تشربوا وتتشبعوا بي مياه النيل الخالد السودان سيظل خالد وقوي وسينهض بعزائم ابناءه الخلص الميامين وبدماء شهداء معركة الكرامة ورد الاعتبار للجيش والشعب السوداني الابي الكريم حاج التوم راجع الدكتوراه حقتك دا ما كلام عقل ابدا ابدا السياسيين وانصاف السياسيين هم من زينوا لي ال دقلو ابتلاع السودان بالفيهو كم كان عدد الجنجويد ايام البشير الف خمسة ستة استحوا الشعب واعي وعارف مين العدو ومين الصليح وانتم اصبحت كاحزاب مدنية يسارية علمانية اعداء للوطن وشعبه اعطوا الوطن حقه اعطوا الشعب حقه حسبنا الله ونعم الوكيل

  2. عزيزي يبدو أنك لم تفهم المقصود وهو واضح لكنك استعجلت الرد دون روية
    الدكتور يقصد بوضوح ان قتل المدنيين لايعني للتنظيم شيئا وإنما العدو هو في نظر الحركة الإسلامية من يقف امام عودتهم للحكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..