مقالات وآراء

من المعرفة الي الطاعة : الإسلاميون وتخريب التعليم العالي في السودان( 3/3 )

عبدالعزيز ابوعاقلة

لم يتوقف مشروع الإسلاميين في التعليم عند إخضاع المناهج أو تسييس الإدارة الجامعية، بل مضى إلى نهايته المنطقية: تفكيك قيمة الشهادة نفسها. فحين تُفصل المعرفة عن معناها، وتُختزل الجامعة إلى أداة ولاء، يصبح تزوير الشهادات ليس انحرافًا طارئًا، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من إفراغ التعليم من مضمونه. في ظل حكم الكيزان، تحوّلت شهادات الماجستير والدكتوراه من ذروة التحصيل العلمي إلى أوراق تُشترى بالمال أو النفوذ، وألقاب تُمنح مقابل خدمة سياسية أو أمنية، او ولاء للتنظيم وأدوات للترقي داخل جهاز الدولة لا داخل حقل المعرفة. لم تعد الشهادة دليل كفاءة، بل علامة قرب من السلطة، وبذلك انهار العقد غير المكتوب الذي قامت عليه الجامعة: أن تكون الشهادة ضمانة حدٍّ أدنى من الحقيقة.

هذا الانهيار لم يكن معزولًا عن ما جرى لجامعة الخرطوم نفسها. فالجامعة التي شكّلت لعقود رمزًا للتعليم العالي في السودان وواحدة من أبرز جامعات أفريقيا والعالم العربي، أُخرجت تدريجيًا من المنافسة الإقليمية والدولية، لا بفعل نقص العقول، بل نتيجة سياسات مقصودة: تعريب قسري بلا إنتاج معرفي داعم، تجفيف شبه كامل للصرف على البحث العلمي، قبول خاص قائم على المال لا على الاستحقاق، هجرة واسعة للكفاءات بفعل الإقصاء والتسييس، وتحويل الإدارة الجامعية إلى امتداد للأمن والحزب. في لحظة ما، لم تعد جامعة الخرطوم تسعى للتفوق، بل للبقاء. وهناك فرق أخلاقي ومعرفي عميق بين مؤسسة تُدار بمنطق المنافسة، وأخرى تُدار بمنطق النجاة من العقاب.

ومع تآكل البيئة العلمية، لم يعد تزوير الشهادات مقتصرًا على الوثيقة، بل طال المضمون نفسه. رسائل علمية بلا أسئلة حقيقية، إشراف شكلي، لجان من الأصدقاء، وجامعات خاصة تحولت إلى مصانع ألقاب، حيث تُختصر سنوات البحث في إجراءات إدارية. هنا لم يعد السؤال عن قانونية الشهادة، بل عن معناها: هل الشهادة شهادة لأن الدولة تعترف بها، أم لأنها تمثل معرفة يمكن الدفاع عنها؟ اختار الإسلاميون الإجابة الأسهل، الاعتراف السياسي بدل الحقيقة العلمية، وبذلك دمّروا الثقة ليس في الجامعات وحدها، بل في فكرة الاستحقاق ذاتها.

ومع كل هذه الإدانة السياسية، يظل هناك سؤال لا يجوز القفز فوقه. إلى أي مدى ساهمت قطاعات من النخبة الأكاديمية نفسها، بالصمت أو التكيّف أو الانسحاب الأخلاقي أو الانتهازية الصريحة، في تمرير هذا التخريب؟ فالسلطة لا تعمل في فراغ، وكثير مما جرى داخل الجامعات لم يكن ممكنًا لولا قبول جزئي من الداخل، أو تبرير باسم “الضرورة”، أو خوفًا على المواقع والمصالح. أساتذة غضّوا الطرف عن الرداءة، إدارات قبلت التسييس حفاظًا على بقائها، ولجان علمية ساهمت في شرعنة ما لا يمكن الدفاع عنه معرفيًا. هنا لا يكون الخراب نتاج الاستبداد وحده، بل نتاج توقف التفكير، وهو ما عبّرت عنه هانا آرنت حين رأت أن الشر لا يُنتج فقط بواسطة الطغاة، بل بواسطة أناس عاديين تخلّوا عن مسؤولية الحكم الأخلاقي.

أهمية هذا المقال لا تنبع من كونه سردًا للماضي، بل لأنه يفسّر الحاضر. فالتزوير الأكاديمي، وانهيار السمعة، وتشظي الشهادة السودانية، ليست حوادث عابرة ولا نتاج الحرب وحدها، بل نتائج منطقية لمسار بدأ بإخضاع المعرفة وتحويلها إلى أداة طاعة. ومن دون هذا الفهم، سيُعاد بناء التعليم العالي بعد الحرب بنفس العقليات، وبنفس الأسماء، وبنفس الأعطاب، مع تغيير الشعارات فقط. إن تشخيص المرض هنا ليس تمرينًا في الإدانة، بل شرط أولي لأي حديث جاد عن الإصلاح الأكاديمي والمعرفي .

هذه المقالات لا تدافع عن “الجامعة القديمة” بدافع النوستالجيا، بل تدافع عن فكرة الجامعة ذاتها: جامعة تُناقش ولا تُلقّن، تُنتج معرفة لا ولاء، وتُخرّج مواطنين لا رعايا. وإذا كانت الطاعة هي الحصيلة النهائية لما سُمّي بـ “ثورة التعليم”، فإن استعادة المعرفة لن تكون ممكنة إلا بفصل جذري بين الجامعة والأيديولوجيا، أيًّا كان اسمها، وبإعادة الاعتبار للمعرفة كقيمة مستقلة لا كأداة في يد السلطة.

عبدالعزيز ابوعاقلة

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..