خرائط المنفعة وحدود الإنسانية: قراءة في مأساة السودان

لم يعد العنف في العالم المعاصر حادثة طارئة، ولا انحرافًا أخلاقيًا عن مسار طبيعي للتاريخ، بل غدا بنية حاكمة لطريقة اشتغال النظام الدولي ذاته.
فالعالم اليوم لا ينتج الأزمات عرضًا، بل يعيد تصنيعها ضمن منطق شامل يجعل القسوة آلية إدارة، واللامبالاة شكلًا من أشكال السياسة، والخراب نتيجة محسوبة لا خطأ عارضًا.
في هذا السياق، تكتسب أفكار المفكر الكاميروني أشيل مبيمبي، كما بلورها في كتابه Brutalisme (الوحشية)، قيمة تفسيرية كبرى، لأنها لا تكتفي بوصف العنف، بل تكشف منطقه العميق، ذلك المنطق الذي يحول البشر والأمكنة والتاريخ نفسه إلى مواد خامًا قابلة للسحق وإعادة التشكيل.
في هذا الأفق، لا تعود الوحشية مجرد توصيف جمالي لمدرسة معمارية تحتفي بالخرسانة العارية، بلا تزيين ولا رحمة، بل تتحول، في تصور مبيمبي، إلى عقل كوني بارد يتعامل مع الإنسان كما لو كان كتلة صماء، بلا ذاكرة ولا كرامة ولا حق في المعنى.
فالوحشية ليست انفلاتًا أخلاقيًا طارئًا، بل عقلانية أداتية ترى في الإنسان موردًا، وفي الطبيعة مخزونًا، وفي السياسة تقنية ضبط وإقصاء.
وبهذا المعنى، يغدو العالم فضاء مفتوحًا لتجريب أشكال جديدة من نزع الإنسانية، حيث تختزل الحياة في بيانات، وتصنف الأجساد وفق معايير النفع والخطر، ويعاد رسم خرائط القيمة البشرية بقرارات فوقية
لا ترى في الموت سوى كلفة جانبية في حسابات أعقد.
ضمن هذا السياق، لا تحكم المجتمعات الحديثة بالقانون والمؤسسات وحدها، بل عبر إدارة دقيقة للحياة والموت.
فالعالم لا يقرر فقط من يحكم، بل من يستحق الحماية ومن يمكن التخلي عنه، من يحق له العيش ومن يسمح له بالموت البطيء.
وهي الفكرة التي صاغها جورجيو أغامبن في مفهوم “الحياة العارية”، أي تلك الحياة التي تفقد غطاءها القانوني والأخلاقي، وتصبح قابلة للإبادة دون أن يعد ذلك جريمة كاملة.
هذه ليست استعارة فلسفية مجردة، بل ممارسة يومية تتجسد في الحدود المغلقة، وفي صمت المجتمع الدولي أمام المجازر، وفي إدارة الحروب بوصفها أدوات لإعادة ترتيب المجال العالمي.
هنا يصبح الإقصاء تقنية، والقتل احتمالًا مقبولًا، والخراب نتيجة محسوبة سلفًا.
من هذا المنظور، لا يبدو السودان حالة فشل استثنائية أو انحرافًا عن المسار العالمي، بل نموذجًا فادحًا لما يمكن تسميته لعنة الوفرة.
فالسودان ليس بلدًا فقيرًا بالموارد، بل دولة غنية بالأرض والمياه والمعادن والموقع الجغرافي، لكنها فقيرة بالسيادة.
هذه الوفرة ذاتها جعلته هدفًا دائمًا لإعادة الضبط والاستنزاف، لا للإنقاذ.
وهو ما يلتقي مع تحليلات إيمانويل والرشتاين حول النظام العالمي، حيث لا ينتج التخلف في الأطراف صدفة، بل يعاد إنتاجه بوصفه شرطًا لازدهار المركز.
فالدول الغنية بالموارد، حين تعجز عن تحويل ثرواتها إلى مشروع وطني مستقل، تتحول إلى ساحات مفتوحة للصراع بالوكالة، ومختبرات دائمة لإعادة توزيع النفوذ.
هنا يلتقي تحليل مبيمبي مع ما تنبأ به فرانز فانون، حين رأى أن العنف الاستعماري ليس حدثًا عسكريًا عابرًا، بل بنية نفسية وسياسية عميقة.
غير أن العنف اليوم لم يعد يحتاج إلى مستعمر مباشر، بل أعاد تشكيل نفسه في صورة أكثر تجريدًا وتعقيدًا، عبر شبكات مصالح، وميليشيات، وانقسامات داخلية يعاد تدويرها بعناية.
في السودان، لا تعمل الحرب فقط على قتل الأجساد، بل على تفكيك المعنى ذاته: معنى الوطن، معنى الجماعة، معنى المستقبل.
وهو ما يجعل العنف هنا أداة محو رمزي بقدر ما هو أداة سيطرة مادية.
ولا يمكن فهم الصمت الدولي إزاء هذه المأساة دون استحضار ما وصفته حنة أرندت بتفاهة الشر.
فالشر في العالم المعاصر لا يمارس دائمًا عبر قرارات صادمة أو خطابات دموية، بل عبر بيروقراطية باردة، وتقسيم دقيق للعمل الأخلاقي، حيث يعرف الجميع ما يحدث، لكن لا أحد يشعر بالمسؤولية المباشرة.
الحرب، في هذا المعنى، ليست فشلًا للنظام العالمي، بل أحد أنماط اشتغاله.
إنها اقتصاد قائم بذاته، واستثمار طويل الأمد في الفوضى، حيث تتحول المعاناة الإنسانية إلى أرقام، والدمار إلى تقارير، والموت إلى خبر عابر لا يعيد ترتيب الأولويات.
في هذا السياق، يتقاطع مصير السودان مع منطق النظام الدولي الذي تقوده تحالفات المصالح الكبرى، حيث يعاد ترتيب العالم وفق خرائط الخطر والمنفعة.
دول تصنف، وشعوب تقاس قيمتها الاستراتيجية، وأخرى توضع في مناطق رمادية، لا هي أولوية إنقاذ ولا هي جديرة بالحياة الكاملة.
في هذا التصنيف غير المعلن، يغدو السودان كيانًا قابلًا للاستنزاف، وساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، ومختبرًا لصبر الضحايا، في عالم يعرف تمامًا ما يجري، لكنه يختار ألّا يرى.
وفي خضم هذا المشهد، تبدو غالب المبادرات التي تناولت أزمة السودان وكأنها صيغت من خارجه لا من داخله، منفصلة عن إنسانه، وبعيدة عن تجربته التاريخية والمعيشة.
لذلك جاءت، في معظمها، باهتة الأثر، أقرب إلى وخزات ضمير عابرة في جسد دولي اعتاد النوم فوق المآسي، لا إلى أفعال سياسية قادرة على كسر منطق الوحشية أو وقف دورة الاستنزاف.
فهي محاولات تحسن توصيف الألم أحيانًا، لكنها تعجز عن ملامسة جذوره، لأنها لم تنطلق من سؤال الإنسان السوداني بوصفه غاية، بل بوصفه تفصيلًا هامشيًا في أزمة أوسع.
الاستثناء النسبي في هذا السياق يتمثل في المبادرة التي طرحها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والتي حملت، في جوهرها، إدراكًا مختلفًا لخطورة انهيار السودان على المستويين الإقليمي والدولي، ومحاولة لفتح مسار سياسي يحد من الانزلاق الكامل نحو الفوضى.
غير أن هذه المبادرة، رغم رمزيتها وأهميتها، لم تتحول حتى الآن إلى فعل فاعل ومكتمل، بفعل غياب إرادة دولية حقيقية، وعلى رأسها الإدارة الأمريكية، التي لا تزال تنظر إلى السودان من زاوية ضيقة تحكمها أشغالات مصالحها العليا، بعيدًا عن ما يسمى السودان في حساباتها الاستراتيجية.
وهكذا يبقى السودان، في منطق القرار العالمي، اسمًا مؤجلًا، وحياة قابلة للتأجيل، في نظام لا يتحرك إلا حين تمس النار خرائطه الخاصة.
ومع ذلك،لا يغلق مبيمبي الأفق كليًا.
فرغم سوداوية التشخيص، يصر على أن إمكان الإنقاذ لا يزال قائمًا، شريطة إعادة التفكير جذريًا في معنى الإنسانية المشتركة.
فالخروج من الوحشية لا يتم عبر مزيد من التقنية ولا عبر تعظيم منطق السوق، بل عبر استعادة فكرة المشاع، أي ذلك الفضاء الذي تكون فيه الأرض والكرامة والحياة قيمًا مشتركة لا تخضع لمنطق الامتلاك والهيمنة.
إنها دعوة لإعادة بناء السياسة على أساس أخلاقي، لا بوصف الأخلاق زينة خطابية، بل شرطًا للوجود المشترك.
السؤال الذي يفرض نفسه، إذن، ليس هل يستحق السودان التعاطف، بل هل لا يزال العالم قادرًا على إنقاذ نفسه من هذا الانحدار الأخلاقي.
فالسودان ليس هامشًا بعيدًا، بل مرآة مكبرة لما آل إليه النظام الدولي حين تفصل القوة عن العدالة، والمصلحة عن الإنسانية.
إن مد اليد إلى السودان ليس فعلًا خيريًا، بل اختبارًا حقيقيًا لفكرة العالم ذاته: هل هو فضاءُ تعايش وبناء، أم مجرد ساحة صراع بارد تحكمها خرسانة المصالح.
خاتمة القول، إن الوحشية التي وصفها مبيمبي لم تعد مفهومًا نظريًا، بل واقعًا معاشًا، يتجسد في الخراب السوداني كما في غيره من بقاع العالم المنسية.
غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو كسرها.
فإما أن يستعيد العالم شجاعته الأخلاقية، ويعيد بناء علاقاته على أساس العدالة والمصير المشترك، وإما أن يواصل السير، بثبات أعمى، نحو عالم بلا إنسان.
والسودان، اليوم، يقف في قلب هذا الامتحان: شاهدًا وضحية، وسؤالًا مفتوحًا في وجه ضمير العالم.



