مقالات وآراء

مأساة التعليم في ولاية الجزيرة: محلية المناقل… حين تُغتال العدالة التعليمية على مرأى من الدولة

حسن عبد الرضي

ما رصده وتابعه غاندي إبراهيم يبعث على الرعب فالقلق وحده لا يكفي. إذ لم تعد مأساة التعليم في ولاية الجزيرة، وعلى وجه الخصوص في محلية المناقل، مجرد خلل عابر أو تجاوزات فردية يمكن احتواؤها بإجراءات إدارية محدودة، بل تحولت، مع مر السنين، إلى فضيحة مكتملة الأركان تهدد جوهر العدالة التعليمية، وتنسف ما تبقى من مصداقية الشهادة السودانية، وتضرب في الصميم مستقبل أجيالٍ دفعت ثمناً باهظاً للحرب والإهمال والفقر.
ما حدث وما يحدث اليوم في بعض مدارس قرى محلية المناقل أثناء امتحانات الشهادة هو انهيار أخلاقي وتربوي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. معلومات متطابقة، وشهادات متواترة، تؤكد السماح للطلاب بدخول قاعات الامتحان بالهواتف المحمولة، وسط ضعفٍ مريع في الرقابة، بل وإمكانية التواصل المباشر مع أشخاص خارج القاعات لحل الامتحانات. وهنا لا نتحدث عن حالات فردية، بل عن نمط متكرر ومنظم.
الأخطر من ذلك، أن بعض مراكز الامتحان في القرى تحولت إلى ملاذ آمن للغش المنظم، ووجهة مقصودة لطلاب من محليات وولايات أخرى، يتم تسجيلهم شكلياً في المناقل فقط بغرض الجلوس للامتحان هناك، مستفيدين من حالة الانفلات وانعدام المحاسبة. والنتيجة؟ نسب نجاح مرتفعة لا تعكس أي مستوى حقيقي، في ظلم فادح للطلاب المجتهدين الذين التزموا بالتحصيل والأمانة، وتحملوا ظروفاً قاسية في التعليم والحياة.
وتتضاعف المأساة حين نعلم بظهور ما يُعرف بـ سماسرة الامتحانات في ولايات مثل النيل الأبيض والقضارف، ينتظرون وفادة طلاب من الخرطوم، حيث يتم تحصيل مبالغ خرافية تصل إلى ٨٠٠ ألف جنيه سوداني من الطالب الواحد، مقابل نقل ملفه ليجلس للامتحان في قرى جنوب المناقل. وترافق ذلك اتهامات خطيرة بأن الامتحانات هناك “مكشوفة”، وأن الحل يتم داخل القاعات، بل وحتى الكتابة على السبورة في بعض الحالات.
مصادر موثوقة أكدت وجود مقاطع فيديو موثقة من داخل مراكز الامتحان، تُظهر حجم الانتهاكات غير المسبوقة، وتكشف نجاح طلاب لا يجيد بعضهم حتى كتابة اسمه، بنسب تتراوح بين ٧٥% و٨٠%. أي شهادة هذه؟ وأي مستقبل نعدّه لوطنٍ تُمنح فيه النجاحات بالغش، ويُعاقَب فيه الصدق والاجتهاد؟
هذه الممارسات لا تمثل فقط خرقاً للقوانين واللوائح، بل تشكل جريمة أخلاقية وتربوية، وضربة قاصمة لمبدأ تكافؤ الفرص، وتفريغاً كاملاً لقيمة الشهادة السودانية من مضمونها العلمي والوطني. فالشهادة التي لا تعكس مستوى حاملها، تتحول إلى ورقة بلا معنى، وتنتج أجيالاً عاجزة عن البناء، لكنها بارعة في التحايل.
وما يزيد من فداحة الأمر، أن هذه التجاوزات ليست جديدة. فقد بدأت بعض الإجراءات العام الماضي للحد منها، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً في القضاء عليها. والدليل الصارخ على ذلك، أن كشوفات بعض المدارس تشير إلى أعداد طلاب تتراوح بين ٤٠٠ و٥٠٠ طالب، في حين أن العدد الحقيقي لطلاب القرية لا يتجاوز ٥٠ طالباً. فأين ذهبت بقية الأسماء؟ ومن سمح؟ ومن تستر؟ ومن استفاد؟
إننا نضع هذه الوقائع أمام وزارة التربية والتعليم الاتحادية والولائية، وأمام اللجان الأمنية، وأمام الرأي العام، مطالبين بتدخل عاجل وحاسم، لا بيانات إنشائية ولا لجان لامتصاص الغضب. المطلوب تحقيق شفاف ومستقل، ومحاسبة صارمة لكل من يثبت تورطه، مهما كان موقعه، حمايةً لحقوق الطلاب الشرفاء، وصوناً لما تبقى من سمعة التعليم في السودان.
فالتعليم ليس ترفاً، ولا ملفاً ثانوياً في زمن الأزمات، بل هو قضية وجود. وإذا استمر هذا العبث، فإننا لا نغش امتحاناً فقط، بل نغش وطناً بأكمله، ونزرع بذور الفشل في أرضٍ أنهكتها الحروب، وتنتظر من التعليم أن يكون طريق الخلاص، لا بوابة السقوط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..