سلمى الغزاوي… القلم الذي أعاد لرسائل فلوبير نبضها المخبوء

«أحب عملي حبًّا مسعورًا ومنحرفًا، مثل زاهد يخدش قميص الشعر بطنه… فلنبارك، على رغم كل شيء، هذا الألم المقدّس، من دونه لا يحلو العيش.»
ــ غوستاف فلوبير، رسائل إلى شاعرة، ترجمة سلمى الغزاوي.
سلمى الغزاوي، كاتبة ومترجمة مغربية من مواليد العاصمة العلمية فاس، تنتمي إلى ذلك النمط من الكتّاب الذين تُقرأ سيرتهم كما يُصغى إلى صوت داخلي خافت،
أشبه بالإنصات إلى موسيقى تشايكوفسكي في لحظة صدق مجردة؛لحظة تنكشف فيها الروح بلا أقنعة وتتكلم الأعماق بصمت.
متيمة بالحرف والقراءة منذ الصغر، بدأت مسيرتها في عالم الكتابة سنة 2012 عبر النشر الإلكتروني،قبل أن تتوسع إلى المقالة والصحافة، وتكتب عمود «ممنوع على الرجال» بجريدة الأخبار.
وقد توزعت تجربتها الإبداعية بين السرد والترجمة،
ويبرز في مسيرتها الأدبية إنتاجها الروائي من أعمال مثل:
تيلاندسيا، ذاكرة قاتل، أوركيديا سوداء، قبل النهاية بقليل، بالإضافة إلى مجموعتها القصصية مقامات مخملية.
أما في مجال الترجمة،
فتشمل أعمالها المهمة:
رسائل إلى شاعرة لغوستاف فلوبير،
آخر يوم لمحكوم بالإعدام لفيكتور هيغو،
وأزهار الشر لشارل بودلير،
وغيرها من النصوص الفرنسية التي أعادت تقديمها للقارئ العربي بلغة دقيقة وحساسة.
ومن خلال هذه الرحلة الإبداعية الطويلة،
تبدو ترجمتها كأنها امتداد للموسيقى الداخلية التي بدأناها عند قراءة سيرتها؛ لغة عربية متدرجة النغم،
تنساب كهمس تشايكوفسكي، لتعيد للقارئ إحساس فلوبير العاطفي والهشاشة الإنسانية التي تختبئ وراء كل رسالة.
هنا، لا تكتفي سلمى الغزاوي بنقل المعنى من الفرنسية إلى العربية، بل تستحضر النبض الداخلي للنص،
وتعيد خلق حساسية الكاتب كما لو أن القارئ يقف على عتبة دفتره الخاص، يسمع همسًا لا كلمات، ويشارك اللحظة نفسها من الرهبة والفرح، الألم والبهجة.
في فضاء الأدب، حين تلتقي رسائل العشّاق بريش الشعراء،تولد لوحات من المشاعر صاغها الزمن بأنغامه ووجعه.
يأتي كتاب رسائل إلى شاعرة لغوستاف فلوبير كإحدى تلك اللوحات المخبوءة في أدراج القلب:
مجموعة مراسلات تكشف رقّة الكاتب وهشاشته،
أحلامه وخوفه من الحياة.
غوستاف فلوبير،الروائي العظيم صاحب مدام بوفاري وعمق الواقعية الفرنسية، يفتح في هذه الرسائل بابًا آخر على ذاته:
لا يكتب هنا كأحد عمالقة الأدب،بل كعاشق شاب، سهل الانكسار، غزير الشجن.
التقى في يوليو 1846 بالشاعرة لويز كوليه،
الأكبر منه سنًا والأكثر خبرة، فشكّلت تلك العلاقة نقطة عطف في حياته، انتشلته من ظلام الفقد والوحدة، ودفعت روحه نحو ضوء جديد.
في قراءة الرسائل، تتجلّى هشاشة الشاب العاشق، فلوبير قبل أن يغدو الروائي الكبير، يبدو كعاشق مراهق يتحدث بلا خوف ولا أقنعة، متردد بين الهروب من ذاته أو مواجهة شعوره.
فقدانه لعائلته، وشعوره بالضياع، يجعل لويز كنجمة تهدئ الفجر في داخله، تمنحه سببًا ليكتب وذريعة ليحلم.
ومع هذه الصورة القريبة من هشاشة فلوبير العاطفية،
تصبح ترجمة سلمى الغزاوي أكثر من مجرد نقل للمعنى؛
فهي إعادة خلق للحساسية الداخلية للنص، إذ لم تُترجم الرسائل فحسب، بل استحضرت روح فلوبير وأعادت تقديمها بلغة تتقد رهافة وجمالًا، كما لو أنّها تنقل همس قلبه لا كلمات قلمه.
هنا، لا يقتصر عملها على الجانب اللغوي فحسب، بل ينقل القارئ مباشرة إلى نبض الكاتب، فيعيش لحظاته من الرهبة والفرح، الألم والبهجة، مع كل سطر من رسائل فلوبير.
«أحيانًا، عندما تعصيني العبارة، عندما أكتشف بعد خربشة صفحات طويلة أنني لم أكتب جملة مفيدة، أنهار فوق أريكتي…
ثم بعد ربع ساعة ينبض قلبي فرحًا، والدموع تسيل على وجنتيّ، لأني عثرت أخيرًا على الجملة.»
ــ غوستاف فلوبير، رسائل إلى شاعرة، ترجمة سلمى الغزاوي.
كما تكشف هذه الرسائل الصراع الأدبي والبحث عن الكمال، ففلوبير يرى الكتابة فعلًا مقدسًا، وأن الكلمة يجب أن تكون منحوتة بعناية لتبلغ جمالها الكامل.
«إني أخاف دومًا من الكتابة.
هل تشعرين مثلي بتلك الرهبة العظيمة قبل شروعك في عمل فني؟»
ــ غوستاف فلوبير، رسائل إلى شاعرة، ترجمة سلمى الغزاوي.
الكتابة عنده رياضة روحية تحتاج إلى صبر وجهد وألم،
وهو صراع يوازنه العاطفة والشغف.
سلمى الغزاوي تنقل هذا التوتر بدقة، فتظهر العلاقة بين الكاتب والعاشق، بين الرغبة في الكمال والخجل من العاطفة، بين السطوع الداخلي والانطفاء.
من جانب آخر، تظهر في النص الحساسية الروحية والوجدانية لفلوبير، الذي يشعر بالحياة كثيفة، جارحة،
ومليئة بالتفاصيل الصغيرة التي تحوّل اليوم العادي إلى عبء أو نعمة.
يتحدث عن الكتابة بوصفها “أصدق الأوهام”، وعن الفن باعتباره خلاصًا ومرساة في بحر العالم المضطرب.
تتميز الترجمة كذلك بلغة عربية تُشبه الموسيقى؛ فالجمل قصيرة ومشحونة بالمعنى، وانسيابها هادئ كالندى على القلب، وصورها تنتقل من الفرنسية إلى العربية دون أن تفقد شفافيتها.
«لم أكن يومًا في حاجة إلى أحد،
كم أنا في حاجة إليك.
صحبة عزيزي تورغنيف مفيدة لقلبي وروحي وأعصابي.
إني أنتظرك، مطلع يناير.»
ــ غوستاف فلوبير، رسائل إلى شاعرة، ترجمة سلمى الغزاوي.
وأخيرًا، يظهر في العمل الأثر العاطفي على القارئ العربي،
حيث تُفتح نافذة لفهم فلوبير الشخص، قبل الروائي،
ومتابعة رحلة علاقته بلويز كوليه.
يشعر القارئ وكأنه يقف على تخوم علاقة مليئة بالشغف،
ويعايش مع فلوبير لحظات الحب والخوف،
ويرى كيف يكتب ويخاف في الوقت ذاته.
في الخاتمة، تقدم سلمى الغزاوي تجربة ترجمة تتجاوز حدود النقل التقليدي، فهي تمنح القارئ العربي فرصة «العيش» داخل النص، من نبضات قلب فلوبير إلى تردد أنفاسه،
ومن شعوره بالهشاشة والخوف إلى فرحه عند العثور على الكلمة المضيئة.
هنا، الترجمة تصبح تجربة وجدانية كاملة:
القارئ يسمع همس الكاتب، يشعر بجرسه الداخلي، ويشارك الرهبة والفرح، الألم والبهجة،
في تفاعل حيّ مع النص.
«إنه لشعور غريب، أن تحسّ أن كلماتك الحقيقية تبدأ بالظهور بعد أن عانيت طويلًا من الفراغ، وكأن كل حرف وجد مكانه في القلب قبل الورقة.»
ــ غوستاف فلوبير، رسائل إلى شاعرة، ترجمة سلمى الغزاوي.
سلمى الغزاوي هنا لا تكتفي بترجمة الرسائل،
بل تصنع منها تجربة حياة مشتركة بين الكاتب والقارئ،
بحيث يصبح النص العربي حيًّا، نابضًا، متقن الأبعاد، وممتدًا في ذاكرة القارئ بعد القراءة، فتظل موسيقى النص الداخلي حية، ولا تنطفئ.
وبذلك، تقدم سلمى الغزاوي مدخلًا مختلفًا ورائعًا للأدب الفرنسي، تمتلك فيه أدواتها الخاصة التي تفاجئ بها القارئ العربي، فتفتح له أبوابًا جديدة للتعرف على عوالم النصوص الفرنسية الكلاسيكية والمعاصرة.
إنها قامة فكرية وأدبية ينبغي على دور النشر دائمًا الاستفادة منها، لتثري المكتبة العربية بدرر الأدب العالمي،
من أعمال غوستاف فلوبير إلى غيره من عمالقة الأدب في العالم.



