بين الداخل والخارج سنة حكم ترامب الملغّمة

يسرى عادل
في 20 يناير 2025، عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وكأن الزمن أعاد نفسه في نسخة متوترة من التاريخ الأمريكي، لم تكن عودته مجرد حدث سياسي بل مشهد إبداعي للسلطة الشخصية التي تتجاوز الأعراف، وتعيد تعريف الرئاسة كعرض قوة مستمر، منذ اللحظة الأولى بدا أن ترامب لا يستخدم لغة السياسيين المعتادة، بل لغة صادمة، حادة، تصنع استقطابا داخليا يشبه زخات الرصاص الرمزي، من مهاجمة الإعلام واتهامه بـ«الأخبار الكاذبة» إلى ممارسة ضغوط على الاحتياطي الفيدرالي لتوجيه السياسة النقدية بما يخدم سرديته الشخصية، وفي الداخل لم يكن الكونغرس أكثر من شاهد صامت، عاجز أحيانا عن فرض رقابة فعلية، فضلاً عن الاستعانة بلفيف من الوزراء لتعقيد حدة المشهد، كوزير الدفاع أو الحرب الذي أطلق تصريحات متناقضة حول العمليات العسكرية الأميركية في الخارج، من التحفظ على نشر قوات إضافية في الشرق الأوسط إلى التلويح باستخدام القوة في أماكن أخرى، ما أعطى الانطباع بأنه يتصرف وفق إيقاع خاص، أحيانا في تناقض مع التوجيهات الرئاسية المباشرة، دون أن يكون واضحا إذا كان هذا خطأ استراتيجي أو أسلوبا لإبراز نفسه؛ أما وزير الخارجية، فقد اعتمد خطابا مزدوجا في أكثر من مناسبة، ففي ملف أوكرانيا مثلا، تارة يؤكد التزام الولايات المتحدة بدعم كييف، وتارة أخرى يلمّح إلى استعداد أميركا لإعادة النظر في الدعم إذا لم تتعاون الدول الأوروبية، وهو ما يعكس الازدواجية في التعامل مع الحلفاء، وليس غياب التوجيه فقط، ويجعل من إدارة السياسة الخارجية لوحة ديناميكية تتفاعل فيها الأوامر الرئاسية مع الشخصيات الوزارية بحسب تصوراتهم الخاصة، فتظهر أحيانا صدامات بين الرئيس والوزراء، أو تفسيرات مختلفة للسياسات، مما يعكس تحول السلطة الفعلية نحو المركز الواحد للرئيس نفسه، دون أن نفترض سوء نية، بل كنتاج طبيعي لهيمنة شخصية قوية على مؤسسة واسعة، حيث كل قرار يتم تفسيره وإعادة تشكيله ضمن شبكة القوة المحيطة بالرئيس.
اقتصاديا، ارتفعت ثروات أغنى 15 مليارديرا أميركيا من 6.7 تريليون دولار إلى 8.2 تريليون، بينما كانت الطبقات الوسطى تكافح لتأمين قوتها اليومية، البطالة وصلت إلى 4.6%، ونمو الأجور تباطأ، لتصبح صورة الاقتصاد مثل حرف K مكسور، يرفع بعض أفراده إلى القمم ويترك آخرين يتدحرجون في قاع الانقسامات الطبقية، ومع 185 دولة تتأثر بالرسوم الجمركية الأميركية، ارتفعت تكلفة السلع الأساسية داخليا وخارجيا، ما دفع المستثمرين الأجانب مثل الألمان لتقليص استثماراتهم بنحو 45%، مؤشر على أن سياسة الداخل الاقتصادية والسياسية تتقاطع في شبكة معقدة. الانقسامات العرقية والدينية أخذت تتضح في استطلاعات الرأي، مع تحول الولاءات السياسية من هياكل مؤسسية إلى ولاءات فردية للشخصية الأولى في السلطة، وأظهرت الاستطلاعات أن 80% من المشاركين يصفونه بأنه متغطرس و65% بأنه خطير على الساحة الدولية، بينما لم يعتبره سوى 28% صادقا، أرقام تكشف صراعا داخليا بين القوة الشخصية والثقة العامة، بينما يستمر الداخل الأميركي في اختبار قدرة مؤسساته على الصمود أمام إرادة رئيس واحد.
وفي الخارج، تبدو السياسة الأمريكية تحت إدارة ترامب فوضى مخططة بلا خريطة واضحة، ففي ملف أوكرانيا، أبدى ترامب تحفظا على تسمية روسيا معتدية مباشرة، واختار لغة وساطة جعلت أوروبا تشعر بأن التزام الولايات المتحدة بدعم كييف ليس مضمونا، ما دفع الاتحاد الأوروبي لإعادة النظر في استقلاله الاستراتيجي، وفي غرينلاند، تهديدات ترامب بشراء الجزيرة وفرض تعريفات جمركية على الحلفاء الذين رفضوا البيع، لم تكن مجرد لعبة تجارة، بل تحريك الرموز الجغرافية كأداة ضغط سياسي، الغرينلنديون رفضوا أي محاولة للضم وأكدوا تمسكهم بمملكة الدنمارك، ليصبح التوتر الرمزي جزءا من إدارة القوة الأميركية، وفي الشرق الأوسط، لوّحت واشنطن بضرب إيران بعد أن فعلت بتدمير برنامجها النووي بما سُمي لاحقا بـ«مطرقة الليل» ضد المنشآت النووية، والتهديد جاء هذه المرة للتدخل وإنقاذ المتظاهرين ضد النظام الإيراني.
وفي الجارة فنزويلا، شهد العالم تدخلا أمريكيا غير تقليدي مع “اختطاف” الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، ومحاكمته التي لم تكن واضحة أو مدروسة، ليبرز أن القوة الأمريكية تتصرف أحيانًا كطرف منفرد لا كدولة مؤسساتية، وفي الوقت نفسه، انسحبت الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية، بما فيها هيئات تحت مظلة الأمم المتحدة، معلنة أن السيادة الأميركية فوق أي التزام دولي، وخطاب ترامب في الجمعية العامة للأمم المتحدة بدا وكأن القاعدة الانتخابية الداخلية أقوى من أي التزام دولي، إذ شن هجوما على بعض الدول الأوروبية واتهمها بـ«تدمير بلدانها»، دون تقديم أي سياسة واضحة، فكل هذه التحركات شكلت خارطة خارجية متذبذبة، بلا استقرار، بلا استراتيجية، تعتمد على قراءة شخصية لحجم القوة والتهديد.
وإذا كان الداخل يختبر حدود المؤسسات الأمريكية وسط اقتصاد مضطرب وانقسامات دينية وعرقية، فإن الخارج يختبر حدود السياسة الأميركية التقليدية، الحلفاء يشكون، الخصوم يترقبون، العالم كله يراقب تصرفات شخص يتحرك في المشهد الدولي كما لو أنه في مسرحية كبيرة، النهاية لا تقدم استراتيجية محددة، بل سلسلة تحركات فردية متذبذبة، قوة شخصية تحاول ملء فراغ العقلانية الاستراتيجية، وعالم بأسره يتأرجح بين التهديد والانسحاب، بين الانقسام الداخلي والفوضى الخارجية، ليبقى السؤال قائماً: هل هذه سياسة إمبراطورية بمعايير التاريخ، أم مجرد تجربة في القوة الفردية، اختبار لمعنى أن تقود الشخصية الكبرى بلا خارطة طريق؟ نهاية العام الأول ليست نهاية خطة، بل بداية اختبار لعالم جديد لم يعد يعرف ما إذا كانت القوة الشخصية للزعيم يمكن أن تحل مكان العقلانية الاستراتيجية التقليدية، في الداخل والخارج، في السياسة والاقتصاد والدبلوماسية، وكأن الولايات المتحدة نفسها أصبحت مسرحا يحاول فيه كل طرف أن يجد موقعه في ظل شخصية واحدة تحكم كل التفاصيل الكبرى والصغرى.
عام كامل على حكم ترامب في البيت الأبيض، والسلطة تراقص وحدها، والولايات المتحدة تبدو مسرحا لشخصية واحدة تتحدى الزمن، والصمت العالمي يترقب الخطوة التالية… فإلى أي مدى يمكن لشخص واحد أن يكتب التاريخ دون أن يفسده؟
جمهورية أونلاين



