حين يتكلم الفقد بدموع الشاعر

م. معاوية ماجد
بكاء الشاعر ليس واقعة هامشية في سياق القول، ولا وهناً يلم بالصوت فجأة، بل هو لحظة صدق قصوى، حين تتراجع البلاغة خطوة إلى الخلف، وتتقدم الحقيقة وحدها. في مشهد إنساني بالغ الكثافة، شاهد كثيرون الشاعر الكبير التجاني حاج موسى، صاحب ديوان “تباريح الهوى”، وهو يرثي زوجته المغفور لها بإذن الله السيدة الفاضلة ماريا محمد علي، المعروفة ب “ندويا”. لم يكن أمامنا شاعراً يلقي نصاً، بل إنساناً يحاول أن يتشبث بالكلمات كي لا ينهار تماماً، فيما كانت الدموع تسبق الحروف، ويعلو الوجع على البيان.
قال عنها، بصوت تقطعه العبرة، إنها كانت بارة به، وقبل ذلك بارة بأمه، وكأنما كان يستحضر جوهرها الإنساني لا تفاصيل سيرتها. فالبر، كما وصفه، لم يكن فعلاً عارضاً، بل طبيعة مستقرة في روحها، يعرفها كل من عاشرها أو اقترب من ظلها. امرأة لم تكن زوجة فحسب، بل سنداً، وطمأنينة، ومعنىً مقيماً في الحياة، حتى بدت صورتها في الوجدان قريبة من صورة الأم، لا على سبيل المجاز، بل بوصفها مصدراً للأمان، وملاذا تتكئ عليه الروح.
وفي هذا السياق، تضيء قصيدته الشهيرة “أمي يا دار السلام”، لا بوصفها نصاً قيل في غير مقامه، بل بوصفها مفتاحاً لفهم عالمه الوجداني العميق، ذلك العالم الذي تتجاور فيه صورة الأم مع صورة الزوجة، بوصفهما أصل الرحمة، ومنبع الحنان. لقد صاغ فيها صورة أمه، دار السلام، التي كانت للكثيرين أماً رؤوماً، لأن كلماتها العميقة لمست وجدان أي منهم، فجعلت من نصه رسالة إنسانية جامعة تتجاوز حدود الفرد والأسرة. وفي هذه اللحظة الفارقة من الفقد، احتضنه كل السودان معزياً ومواسياً، ليدركوا جميعاً أن فقدها ليس شخصياً فحسب، بل فراغاً إنسانياً عظيماً في وجدان الأمة. يقول فيها:
أنا مهما أفصح عن مشاعري برضو بخونو الكلام
قولة بحبك ما بتكفي وكل كلمات الغرام
يا منتهي الريد ومبتدأ ويا الليا الله يسلمك
هنا، تتجلى محدودية اللغة أمام فيض المحبة، ويتحول العجز عن التعبير إلى اعتراف صريحاً بأن بعض المشاعر أوسع من القول. لذلك، حين وقف يرثي زوجته، بدا وكأنه يردد المعنى ذاته بصمت أشد إيلاماً: أن الكلمات، مهما بلغت، تخون الحب حين يكون عميقاً إلى هذا الحد.
وحين خانته اللغة قبل اكتمال الرثاء، اتكأ على عصاه، لا كحركة جسدية عابرة، بل كعلامة مكثفة على غياب السند. احتضنها وكأنما يعانق آخر ما تبقى له من توازناً، ثم أجهش بالبكاء. في تلك اللحظة، تلاشت المسافة بين الشاعر والقصيدة، وصار البكاء نفسه نصاً مكتملاً، وصارت كل دمعة قصيدة رثاء عميقة، تحكي ما تعجز اللغة عن احتماله.
رثاء الزوجة ليس تعداداً للمناقب، ولا استدعاء للذكريات وحدها، بل مواجهة عارية مع الفراغ. هو رثاء البيت حين يفقد روحه، ورثاء الأيام حين تثقل فجأة، ورثاء الذات حين تدرك أن من كانت تجعل العالم محتملاً قد غابت.
حين يبكي الشاعر زوجته، فإنه يبكي الأمان الصامت، ويبكي تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تكتب، لكنها كانت جوهر الحياة.
في هذا المشهد، نتعلم أن الشعر، في أقصى تجلياته، لا يكتب دائماً بالحروف، بل أحياناً بالانكسار الصادق. وأن بعض الأحزان، حين تمر بقلب شاعر حقيقي، تتحول إلى ذاكرة مشتركة، تذكرنا بأن الحب العميق لا ينتهي بالموت، بل يتحول إلى وفاءٍ موجعٍ، وإلى وجع نبيل يقيم أطول من الكلام.
رحم الله السيدة الفاضلة ماريا محمد علي، وأسكنها فسيح جناته، وجعل برها ومحبتها في ميزان حسناتها، وعزاؤنا الصادق للشاعر التجاني حاج موسى، ولكل من عرفها عن قرب من الأهل والأصدقاء، في هذا الفقد الجلل، سائلين الله أن يلهمهم الصبر، وأن يجبر كسر قلوبهم، وأن يجعل ذكراها نورا مقيماً لا ينطفئ.
م. معاوية ماجد



