دافوس 2026: من الأمم المتحدة إلى «مجلس السلام»… أميركا تعيد كتابة قواعد اللعبة

لم يعد منتدى دافوس مجرد ملتقى للنخب الاقتصادية، ولا منصة لتبادل الرؤى حول العولمة والتنمية، بل تحوّل في دورته لعام 2026 إلى مسرح سياسي صريح لإعادة تعريف النظام الدولي. فمن على جبال الألب، لم يكتفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوجيه رسائل ضغط أو تهديد، بل دشن عملياً ما يمكن اعتباره إعلاناً غير رسمي لانتهاء مرحلة تاريخية بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً النظام الدولي القائم على الأمم المتحدة، والقواعد، والتعددية الشكلية.
إعلان ترامب عن «مجلس السلام»، وتقديمه بوصفه إطاراً دولياً جديداً لإدارة النزاعات – بدءاً من غزة – يمثل لحظة مفصلية تفرض سؤالاً جوهرياً:
هل نحن أمام إصلاح للنظام العالمي؟
أم أمام استبداله بنظام تقوده القوة الأميركية مباشرة، بلا وسطاء ولا شرعية أممية؟
من الناحية الشكلية، وُلد «مجلس السلام» كآلية دعم لإعادة إعمار غزة، بتفويض محدود زمنياً وجغرافياً صادر عن مجلس الأمن. غير أن الميثاق المسرّب كشف سريعاً تحوّلاً جذرياً في الفكرة والمقصد:
غياب أي إشارة مباشرة لغزة
توسيع التفويض ليشمل جميع مناطق النزاع
رئاسة دائمة للرئيس ترامب عضوية مشروطة بمساهمات مالية ضخمة، تصل إلى مليار دولار للعضوية الدائمة هنا لم نعد أمام لجنة دولية، بل أمام مؤسسة سياسية–مالية–أمنية تقف خارج منظومة الأمم المتحدة، وتستند إلى منطق جديد قديم في آن واحد:
السلام بالقوة، لا بالقانون.
النظام الدولي الذي تأسس بعد 1945 قام على ثلاث ركائز واضحة:
الأمم المتحدة بوصفها المرجعية القانون الدولي
القانون الدولي التعددية والتمثيل، ولو شكلياً ما جرى في دافوس 2026 يؤكد أن هذه الركائز لم تُهدم دفعة واحدة، بل تآكلت تدريجياً:
الحرب في أوكرانيا كسرت وهم الردع شلل مجلس الأمن فضح العجز البنيوي ازدواجية المعايير في فلسطين أطاحت بما تبقى من شرعية أخلاقية ترامب لم يصنع هذا التآكل، لكنه حوّله إلى سياسة مُعلنة.
في هذا السياق، جاءت كلمات رئيس وزراء كندا في دافوس معبّرة عن قلق متزايد داخل عدد من الدول الغربية من تحوّل الولايات المتحدة من قائد للنظام الدولي إلى مُعيد صياغته وفق مصالحها المباشرة. حديثه – الذي قُرئ على نطاق واسع باعتباره تعبيراً عن دول ترفض الهيمنة الأميركية المطلقة – لم يكن تمرداً على واشنطن، بقدر ما كان اعتراضاً من داخل المعسكر الغربي نفسه.
أما الموقف الفرنسي، وبعض التحفظات الأوروبية الأخرى على الانضمام إلى «مجلس السلام» بحجة تعارض بعض بنوده مع ميثاق الأمم المتحدة، فقد عكس مأزقاً أعمق.
فالتحفظ الأوروبي كان قانونياً في شكله، لكنه سياسيًّا هشّ في مضمونه. لم يصاحبه ضغط، ولا تهديد، ولا موقف موحّد. بل جاء في وقت هدّد فيه ترامب بفرض رسوم جمركية على فرنسا، ولوّح بضم غرينلاند، كاشفاً حقيقة مرة: أوروبا كيان اقتصادي كبير، لكنها سياسيًا عاجز، اختارت الصمت بدل المواجهة.
على النقيض من ذلك، كان صمت بكين وموسكو صمت حسابات لا صمت ضعف.
الصين تتعامل مع التحول باعتباره مسألة تتعلق بالهيمنة على التجارة الدولية وتدفقات الإنتاج والأسواق، في حين تدرك روسيا، المثقلة بحرب أوكرانيا، أن تجاوز الأمم المتحدة يهدد ما تبقى من التوازنات الدولية، لكنها تفضّل استنزاف النظام القائم تدريجياً على الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
من غير المرجح أن تقبل هاتان القوتان بنظام أحادي أميركي، لكن المواجهة – إن حدثت – ستكون بطيئة، غير مباشرة، عبر مسارات موازية مثل “بريكس BRICS” والتكتلات الإقليمية، والعملات البديلة.
الخاسر الأكبر في هذا المشهد هم دول الجنوب والدول النامية:
لا وزن تفاوضي
لا أدوات ضغط
ولا مقعد حقيقي على الطاولة
تفكيك النظام القائم على القواعد يعني عملياً نهاية فكرة الحماية القانونية، وعودة منطق النفوذ، وتحويل «الاستقرار» إلى سلعة تُشترى.
وفي هذا العالم، من لا يشارك في صناعة النظام، يصبح مادة اختبار له.
من زاوية تحليلية، لا يبدو «مجلس السلام» مشروعاً لحل النزاعات جذرياً، بل آلية لإدارتها واحتوائها وتوظيفها سياسياً واقتصادياً.
غياب غزة عن الميثاق ليس تفصيلاً عارضاً، بل إشارة واضحة إلى أن القضية لم تعد مركزية، بل نموذجاً قابلاً للتكرار في نظام جديد لا يرى في المآسي سوى ملفات.
برأيي ان ما يجري في دافوس 2026 ليس تدشين نظام عالمي متماسك، بل تفكيك النظام القديم دون توافق على بديل مستقر.
النظام القادم – إن تشكّل – سيكون:
هرميًّا
طبقياً
قائماً على الصفقات لا القواعد
وعلى قوة ناعمة مسلّحة بالاقتصاد
الخطورة لا تكمن في قوة أميركا، بل في غياب أي إطار جامع يضبط هذه القوة.
دافوس 2026 لم يُجب عن سؤال: ما هو النظام العالمي الجديد؟
لكنه أجاب بوضوح عن سؤال أخطر:
النظام القديم انتهى… حتى لو لم يُدفن رسمياً بعد.
ويبقى السؤال الأهم، لا لواشنطن ولا لبكين، بل لنا نحن في العالم الثالث:
هل نملك شجاعة الخروج من وهم الحماية الدولية وبناء قوة ذاتية سياسية واقتصادية؟
أم سنكتفي بالمشاهدة… حتى يحين دورنا في جدول الأزمات؟



