مقالات وآراء

زيادة المرتبات بين الوهم الرسمي والكذب الممنهج

بقلم: حسن عبد الرضي

ليس أخطر على معيشة الناس من كذبٍ يُقدَّم في هيئة “بشريات”، ولا أفظع من وزير مالية يبيع الأمل وهو يعلم أنه سراب. ما صرّح به وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم بشأن زيادة مرتبات العاملين بالدولة لا يمكن وصفه إلا بأنه تضليل صريح وتحايل مكشوف على عقول المواطنين.
يقول الوزير إن المجلس الأعلى للأجور لم يشرع بعد، ثم في ذات الوقت يعلن، قبل ذلك، عن زيادات “ملموسة وتدريجية” في المرتبات، ويطمئن الناس بأنها لن تؤدي إلى ارتفاع التضخم. هنا لا نقف أمام خطأ إداري بسيط، بل أمام انقلاب كامل على أبسط قواعد إعداد الموازنات والسياسات المالية في أي دولة محترمة.
المنطق الطبيعي والبديهي يقول إن المجلس الأعلى للأجور هو الجهة الفنية المختصة، وهو الذي يجلس أولاً، لا أخيراً. يجلس لينظر في واقع الاقتصاد، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانفجار معدلات التضخم، وانهيار القوة الشرائية، ثم يخرج بتوصيات علمية مدروسة حول الحد الأدنى للأجور وهيكل الرواتب. بعد ذلك فقط تُناقش هذه التوصيات داخل الموازنة العامة، وتُجاز الموازنة على ضوئها، ثم تُعلن للناس بشفافية ومسؤولية.
أما ما فعله وزير المالية، فهو العكس تماماً: أعلن الموازنة، ثم بشّر الناس بزيادة الأجور، ثم عاد ليقول إن المجلس الأعلى للأجور ما زال في طور الترتيبات والاجتماعات.
وهذا ليس ارتباكاً إدارياً، بل كذب سياسي واضح. لأن إعلان الزيادة قبل انعقاد المجلس يعني أحد أمرين لا ثالث لهما: إما أن الوزير يعلم مسبقاً ما سيقرره المجلس، وفي هذه الحالة يصبح المجلس مجرد ديكور بلا معنى؛
أو أن الوزير لا يعلم، ومع ذلك بشّر الناس، وهنا يكون قد باع وهماً صريحاً، وتحرّى الكذب تحرّياً.
في الحالتين، النتيجة واحدة: خداع العاملين بالدولة ومحاولة شراء الوقت في لحظة تاريخية بلغ فيها الفقر مداه، وتآكلت فيها المرتبات حتى صارت لا تكفي أياماً معدودة من الشهر. حديث الوزير عن “انخفاض القوة الشرائية” ليس اكتشافاً عبقرياً، بل اعتراف متأخر بكارثة معيشية صنعتها سياسات فاشلة وحروب عبثية، ثم يُراد الآن تغطيتها بتصريحات فضفاضة لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن هذه “البشريات” ليست سوى سراب، تماماً كما قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾.
يحسبها العامل المرهق خلاصاً، فإذا اقترب منها لم يجد إلا مزيداً من الانتظار، ومزيداً من الوعود المؤجلة.
الشعب لا يحتاج إلى تصريحات إنشائية ولا إلى تطمينات لفظية، بل إلى سياسات صادقة، وإجراءات حقيقية، واحترام لعقله وكرامته. أما هذا النهج القائم على تقديم الإعلان قبل الدراسة، والبشرى قبل القرار، فهو نهج الغش الرسمي، وسيظل شاهداً على إفلاس أخلاقي وسياسي لا تقل خطورته عن الإفلاس الاقتصادي نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..