هندسة المجتمع السوداني 1821 ( الحقلة الاولي )

كتب: اكرم ابراهيم البكري
………………………………………………………..
في إطار محاولة استقرائية لتاريخ السودان، لا بوصفه سرد للماضي، بل باعتباره بنية حيّة تتحرك داخل الحاضر، يصبح من الضروري ربط ما يجري اليوم بجذوره الأولى التي انشات السودان
الأحداث الراهنة، على قسوتها وفوضويتها، لا تنشأ من فراغ، بل تمثل ذروة مسار تاريخي طويل من التفكيك وإعادة التركيب القسري للمجتمع والدولة ،ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم الحرب الحالية الدائرة في السودان أو صراعات الأرض والهوية دون العودة إلى اللحظة التي أُعيد فيها تشكيل السودان سياسياً وديمغرافياً لأول مرة تحت حكم الباشا، حيث وُضعت الأسس العميقة للاختلال الذي ما زال يحكم مصير الوطن حتى الآن
ما فعله الباشا ( الاحتلال التركي الخديوي ) في السودان لم يكن حكم بالمعنى الإداري، بل كان عملية إعادة تركيب قسرية للمجتمع، هندسة سكانية كاملة أُنجزت بالقوة والضرائب والنار، ولا يزال أثرها قائم حتى هذه اللحظة.
فمنذ دخول جيش محمد علي باشا إلى السودان عام 1821 لم ينظر النظام الجديد إلى القبائل بوصفها مجتمعات ذات تاريخ وأرض وشرعية، بل بوصفها عوائق يجب كسرها أو أدوات يمكن استخدامها. لذلك كان القرار الأول غير المعلن هو تفكيك البُنى السياسية القديمة التي سبقت الغزو سلطنة الفونج، العبدلاب، الملوك المحليون في الشمال والوسط، وكل كيان يملك شرعية تاريخية مستقلة عن الدولة الجديدة
بدأ التغيير الديمغرافي بالعقاب الجماعي. فالشايقية، الذين قاوموا حملة الباشا عسكرياً، لم يُهزموا فقط، بل جُرّدوا من مكانتهم، قُتل قادتهم، صودرت أراضيهم، وأُعيد توزيعهم في وقت لاحق كجنود في جيش الباشا. تحوّلوا من قوة مستقلة إلى أداة دولة، وهذه كانت أول عملية رفع مشروطة بالولاء بعد كسر العظم.
الجعليون، بعد حادثة المك نمر وحرق إسماعيل باشا في شندي عام 1822، تعرضوا لانتقام دموي واسع حملة تطهير عرقي بالمصطلح الحالي لم يكن الهدف القصاص فقط من مقتل الباشا الصغير، بل كسر فكرة أن القبيلة يمكن أن ترفع رأسها في وجه الباشا. أُحرقت القرى، نُفيت الزعامات، وأُدخلت المنطقة في فراغ سياسي متعمّد.
الحقيقة التأريخية تقول انه لم يُترك الفراغ بلا بدائل فالباشا لم يحكم السودان بجيشه وحده، بل صنع طبقة جديدة من الوسطاء المحليين. شيوخ جدد بلا جذور تاريخية عميقة، زعامات صاعدة مُنحت السلاح والأرض والاعتراف الرسمي مقابل الطاعة. هنا حدث التحول الخطير الذي ولد غبن ظل مكتوما الى وقت قريب فالأرض التي كانت تُدار بشكل عرفي داخل القبيلة أُعلنت ملك الحكومة، والحكومة هي التي تمنح، لا التاريخ ولا الدم ولا الإقامة الطويلة. بهذه الصيغة، انتقلت الأرض من كونها ذاكرة جماعية إلى سلعة سياسية في يد الغازي الجديد
في كردفان ودارفور والنيل الأوسط، جرى تمكين قبائل رعوية متحركة، بعضها وافد وبعضها كان هامشي في التراتب القديم، لأنها لا تمتلك مركز زراعي ثابت يمكن أن يتحول إلى قاعدة تمرد. مُنحت هذه القبائل حق الرعي في أراضي قبائل زراعية أُضعفت أو عُوقبت، وحُميت من السلطة، وأُعفيت في كثير من الاحيان من الضرائب، وسُلّحت لتكون قوة توازن ضد أي تمرّد محتمل. هكذا تم صُنعت قبائل مرفوعة لا بتاريخها، بل بوظيفتها داخل نظام السيطرة الغازية
لم يكن ذلك خطأ إداري ولا سوء تقدير، بل سياسة واعية كسر من يملك الأرض، ورفع من لا يملكها، ثم تركهم يتصادمون. منذ تلك اللحظة، لم يعد الصراع سياسي بين شعب ودولة، بل قبلي بين جماعات أُعيد ترتيبها قسراً ، الدولة انسحبت خطوة إلى الخلف، وتركت النار مشتعلة في القاعدة الاجتماعية
هذا ما يفسر لماذا لم تكن المهدية مجرد حركة دينية، بل انفجار اجتماعي شامل المهدية لم تُسقط الحكم التركي فقط، بل حاولت إعادة الاعتبار للمجتمع الذي دُمّر الفقراء، المهمشون، المكسورون، الذين سُلبت أرضهم أو كرامتهم أو مكانتهم. لذلك انهار الحكم التركي بسرعة مذهلة، لأنه كان بلا جذور، قائم على هندسة مجتمعية قسرية لا على عقد اجتماعي
ما يعيشه السودان اليوم من صراعات حول الأرض، ومن إحساس متراكم بالغبن، ومن خطاب قبلي حاد، ليس انحرافً طارئ ولا فشل أخلاقي للمجتمع السوداني كما يُراد له أن يُصوَّر، بل هو استمرار مباشر لمشروع بدأه الباشا، وأكملته الدولة الحديثة دون مراجعة. الدولة ورثت الخلل وأدارت به، بدل أن تعالجه. ورثت قبائل مرفوعة وأخرى مكسورة، وأعادت إنتاج التفاوت نفسه بأدوات جديدة
الحرب الحالية ليست انفجار مفاجئ بل لحظة كشف حساب . كشفت أن الدولة السودانية بُنيت فوق أرض أُعيد توزيعها بالقوة، وأن المجتمع لم يُصالح تاريخه، بل دُفن تحته. ما لم يُعاد فتح هذا الملف، وما لم يُعترف بأن التغيير الديمغرافي الذي بدأ في القرن التاسع عشر هو أصل الأزمة، ستظل كل محاولة لبناء دولة مجرد ترميم فوق صدع قديم، وكل سلام مؤقت هو حرب مؤجلة
ونواصل باذن الله



واصل 👍