
لم يكن مصرف المزارع التجاري مشروعاً عادياً، بل ثمرة نضال طويل وتضحيات مباشرة قدّمها مزارعو الجزيرة، الرهد، حلفا الجديدة، السوكي وغيرها من المشاريع الزراعية القومية.
بنكٌ تأسس من عرق المزارعين، ودُعِم بالقطن والقمح والإنتاج العيني، ليكون ذراعهم المالي وحصنهم الاقتصادي، لكن ما جرى لاحقاً يمثل واحدة من أخطر حالات التغوّل والإقصاء المنهجي في تاريخ المؤسسات الاقتصادية المرتبطة بالقطاع الزراعي.
عند التأسيس، كان المزارعون يمتلكون 70% من أسهم البنك، وهي أغلبية واضحة تعكس حقيقتهم كمؤسسين وشركاء أصيلين،
غير أن هذه النسبة تآكلت بصورة غامضة، وانتقلت تدريجياً إلى صندوق الضمان الاجتماعي (المعاشات)، دون شفافية، ودون الرجوع إلى المزارعين أو وجود تفويض منهم.
الأخطر من ذلك، تمت مساواة أسهم المؤسسين بمساهمين جدد دخلوا لاحقاً، في تجاوز صريح لمبدأ التأسيس وتراكم الأصول، وكأن البنك لم يكبر، ولم تتضاعف فروعه، ولم تتوسع أصوله منذ التسعينات.
في عام 1994، تم دمج البنك التجاري مع مصرف المزارع في كيان واحد هو مصرف المزارع التجاري، بجهدٍ مباشر من المزارعين ومشاريعهم الزراعية ، ،وبضغوط سياسية معروفة في عهد الوزير السابق مجذوب الخليفة رحمه الله، دخل صندوق الضمان الاجتماعي، ضمن مجلس إدارة البنك.
لكن غياب الأجسام الممثلة للمزارعين في الجزيرة والرهد وحلفا مؤخراً ، فتح الباب واسعاً أمام مجلس الإدارة، ليمنح صندوق المعاشات مقاعد ونفوذاً دون مقابل حقيقي.
دخل الصندوق بلا ثمن، ثم واصل شراء الأسهم بطريقة متدرجة حتى أصبحت له اليد العليا، ليتحول من شريك إلى مسيطر كامل.
في يوم الخميس 15 يناير 2026، انعقدت الجمعية العمومية لمصرف المزارع التجاري، لكن دون وجود أي تمثيل حقيقي للمزارعين المؤسسين من كل المشاريع الزراعية،( مشروع الجزيرة، حلفا، الرهد، السوكي)، وإقصاء مؤسسات كبرى مثل شركة السودان للأقطان، سنار، النيل الأزرق.
وبهذا، أصبح البنك الذي تأسس بالمشاريع الزراعية بلا مزارعين.
اليوم، تشير الأرقام إلى أن صندوق الضمان الاجتماعي يسيطر على ما يقارب ال 75% من أسهم البنك، بينما تراجع المساهمون المؤسسون إلى 25% فقط، وهي نسبة لا تعكس تاريخهم ولا حقوقهم.
بل إن صندوق الضمان الاجتماعي حصل ايضاً علي نسبة 28% من شركة السودان للأقطان وهي نسبة تحتاج إلى مراجعة دقيقة، وتدقيق قانوني ومالي شفاف.
ونحن هنا بدورنا نطرح عدد من الأسئلة؛
كيف حصل صندوق المعاشات على هذه النسب؟
َوبأي تفويض؟
ولماذا حُرم المزارعون من التمثيل في مجلس الإدارة؟
وكيف يُعقل أن يُحسب سهم التأسيس بقيمته القديمة، رغم تضاعف الأصول والفروع؟
هذه أسئلة لا يملك مجلس الإدارة ولا الصندوق رفاهية تجاهلها.
في مشروع الجزيرة تجري هذه الأيام انتخابات جمعيات المزارعين لتكوين جسم قوي وموحد.
وفي حلفا الجديدة، الرهد، السوكي، تكوّنت بالفعل أجسام تمثل المزارعين.
ومع اكتمال هذه الهياكل، سيكون للمزارعين صوت قانوني قادر على استعادة الحقوق.
ويجب أن تكون مطالب المزارعين واضحة:
إرجاع حقوقهم وأسهمهم التاريخية في مصرف المزارع التجاري.
أو سحب الأصول والأموال التي تخصهم، والاتجاه إلى تأسيس بنك جديد يمثل المزارعين في كل المشاريع الزراعية والمدن المنتجة، وإن تعذر الحل، فالباب مفتوح أمام معركة قانونية طويلة، لأن ما حدث لا يمكن وصفه إلا بأنه إقصاء كامل للمؤسسين.
وما ضاع حق وراءه مطالب.



