ازدواجية المعايير تقوّض السلام .. دفاع عن سياق تصريح الجنرال جونسون أولونج

بقلم: وليم ساندي دي تور
أثارت التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الجنرال جونسون أولونج من الخطوط الأمامية، باتجاه المناطق التي سيطر عليها أعداء السلام في أكوبو الكبرى، جدلًا واسعًا، جرى خلاله تضخيم تلك التصريحات وتفسيرها بشكلٍ مغالط وخطير من قبل جهات داخل الحكومة وخارجها، وُصفت بحق بأنها قوى مناهضة للسلام. ورغم أن لغة الخطاب في ساحات القتال قد تكون قاسية بحكم الظرف، فإن توصيف هذه التصريحات بأنها دعوة إلى «إبادة جماعية» دون النظر إلى سياقها الحقيقي يعكس ازدواجية معايير خطيرة تُقوّض عملية السلام الهشّة في جنوب السودان.
جاءت تصريحات الجنرال أولونج في أعقاب انسحاب قوات دفاع شعب جنوب السودان (SSPDF) من أجزاء من أكوبو الكبرى، تنفيذًا للترتيبات الأمنية المنصوص عليها في الاتفاق المنشّط لحل النزاع في جنوب السودان (R-ARCSS). وقد هدف هذا الانسحاب إلى تجنّب التصعيد العسكري، وحماية المدنيين، والالتزام باستحقاقات السلام. غير أن الفراغ الأمني الذي نتج عن ذلك استغلته جماعات مسلحة مناهضة للاتفاق، فعادت إلى المنطقة لبث الرعب بين السكان، وفرض الأمر الواقع بالقوة، في تجاهل صارخ لبنود الاتفاق.
وبصفته القائد المكلّف بتنفيذ عمليات نزع السلاح، وجّه الجنال أولونج تحذيرًا واضحًا ومحددًا إلى المسلحين الخارجين عن القانون، ممن يرفضون تسليم أسلحتهم للسلطات الشرعية. ولم تكن تصريحاته، كما روّج البعض، دعوة لاستهداف المدنيين، بل تأكيدًا على واجب الدولة في فرض سيادة القانون وحماية المواطنين. إلا أن بعض الساسة ووسائل الإعلام اختاروا تحريف حديثه، في محاولة مكشوفة لزرع الانقسام داخل المؤسسة العسكرية، وإضعاف هيبة القيادة الوطنية.
في المقابل، يبرز سؤال مشروع: لماذا لا تُواجَه الجماعات المسلحة التي تطلق خطابات قبلية تحريضية، وتحمل دعوات صريحة للعنف ضد المدنيين، بالإدانات نفسها؟ ولماذا يُتعامل مع تصريحٍ ميدانيٍّ لقائد عسكري كفضيحة دولية، بينما تُبرَّر خطابات الكراهية الصادرة عن قوى مناهضة للسلام على أنها «خلافات محلية»؟
الأكثر إثارة للقلق هو صمت بعض الأطراف الإقليمية والدولية تجاه الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها هذه الجماعات. فهناك مقاطع مصوّرة تُظهر إهانة وقتل أسرى حرب في وضح النهار، من دون أن تُقابل بتحقيقات جادة أو إجراءات رادعة. الجهات نفسها التي سارعت إلى التنديد بتصريحات أولونج، آثرت الصمت عندما وقعت جرائم حرب موثقة أمام أعين العالم.
إن هذه الازدواجية تُضعف مصداقية الضامنين لعملية السلام، وتمنح المتربصين بالاتفاق فرصة لتقويضه. فالاتفاق المنشّط (R-ARCSS) يُلزم جميع الأطراف — حكومةً ومعارضةً — بوقف الأعمال العدائية، واحترام الترتيبات الأمنية، ونزع سلاح الجماعات غير النظامية، وحماية المدنيين دون تمييز. إن تطبيق هذه الالتزامات بشكل انتقائي يُفرغ الاتفاق من مضمونه ويُهين تضحيات الشعب.
صحيح أن على كل قائد أن يتحلّى بالحذر في اختيار كلماته، خاصة في السياقات الحساسة، لكن العدالة الحقيقية تقتضي محاسبة الجميع بالمعيار نفسه. فلا سلام يمكن أن يترسخ إذا أُدين طرف واحد، بينما يُغضّ الطرف عن أطراف أخرى لأسباب سياسية أو حسابات ظرفية. فالعدالة لا تعرف القبلية، ولا تُقاس بالانتماءات.
إن جوهر أزمة جنوب السودان لا يكمن في لهجة قائد ميداني خلال لحظة توتر، بل في عجزنا الجماعي عن مواجهة خطاب الكراهية، والدعاية القبلية، وثقافة الإفلات من العقاب التي ما زالت تمزق النسيج الوطني. وإذا كانت الجهات المحلية والدولية صادقة في التزامها بالسلام، فعليها أن تطالب بمحاسبة كل من يُحرّض أو يقتل أو يُرهب المدنيين، سواء كان يرتدي زيًا عسكريًا أو يتحصّن خلف فصيل قبلي أو سياسي.
كما تقع مسؤولية مباشرة على قيادات مجتمعات أكوبو الكبرى وأيود، سواء في الحركة الشعبية لتحرير السودان أو في مؤسسات الحكم، بالتحرك إلى دوائرهم الجغرافية لإقناع أبنائهم المنخرطين في ما يُعرف بـ«الجيش الأبيض» بالانضمام إلى مسار السلام، تجنبًا لحرب جديدة ودمار إضافي.
ومع اقتراب بلادنا من مرحلة جديدة في مسيرة السلام، يصبح التمسك بالحق والإنصاف ضرورة وطنية لا خيارًا سياسيًا. يجب أن يُقاس كل تصريح وكل سلوك بمقياس العدالة واحترام الحياة المدنية، لا بمنطق الانحياز والمصالح الضيقة. عندها فقط يمكن استعادة روح اتفاق السلام المنشّط، وتكريم تضحيات شعب جنوب السودان من أجل وطنٍ آمنٍ، موحّد، يسوده العدل والسلام.
التاريخ: ٢٧ يناير ٢٠٢٦م
وليم ساندي دي تور
ناشط في قضايا السلام ومحلل سياسي من جنوب السودان



