أهم الأخبار والمقالات

هل أصبح الكباشي ضد طموحات البرهان؟

أحمد عثمان جبريل

ليس السؤال عن الفريق شمس الدين كباشي سؤالَ شخصٍ أو سيرةٍ عسكرية، بل سؤالُ لحظةٍ سياسية تتآكل من داخلها.. ففي زمن الحرب، لا تُقصى الأسماء عبثًا، ولا تُدار الإزاحات ببرود إداري.. ما يجري داخل مجلس السيادة اليوم لا ينفصل عن صراع خفي على المستقبل، ولا عن رغبة متسارعة في احتكار القرار، وإعادة تشكيل المشهد على مقاس رجل واحد ورؤية واحدة.

❝ إذا استبدّ الحاكم برأيه هلك، وإذا شاركه غيره في السلطان اضطرب أمره ❞
— عبد الرحمن بن خلدون

(1)
من الخطأ المهني والأخلاقي تصوير كباشي بوصفه ضحية أو منقذًا.. فهو، كغيره من أعضاء المنظومة العسكرية، كان شريكًا في تقويض المسار المدني، ومشاركًا في هندسة ما بعد ديسمبر.. لكن السياسة لا تُدار بمنطق الأفضل والأسوأ، بل بمنطق (الوظيفة واللحظة) وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.

(2)
محاولات إبعاد كباشي لا تأتي لأن مواقفه انقلبت فجأة لصالح جهة ما، بل لأن المعادلة تغيّرت.. البرهان، بعد اشتعال الحرب، لم يعد بحاجة إلى مجلس متوازن، بل إلى دائرة صمّاء، تُكرّس القيادة الفردية وتُقلّص أي هامش اجتهاد أو اختلاف داخل البيت الواحد.

(3)
كباشي يمثّل بقايا مرحلة لم يعد مطلوبًا استمرارها:”مرحلة التفاوض المتعدد، والرسائل المتوازية، والأدوار غير المعلنة.. في زمن التسويات الكبرى، يُفضَّل المشهد النظيف شكليًا، حتى لو كان المحتوى هو ذاته.. لذلك يصبح التخلص من الوجوه الرمادية خطوة ضرورية لتوحيد السردية لا لتصحيح المسار.

(4)
ثمّة عامل لا يقل أهمية: “الخوف من المعرفة”.
من حضر البدايات يعرف النهايات المحتملة.. ومن جلس في غرف الترتيب الأولى قد لا يكون مناسبًا للمرحلة الأخيرة.. السلطة لا تخشى المعارض بقدر ما تخشى الشاهد، ولا تخاف الخصم الصريح مثلما ترتاب ممن يعرف أكثر مما يقول.

(5)
هل أصبح كباشي ضد طموحات البرهان؟
الأدق أن نقول: (لم يعد جزءًا من طموحاته الجديدة).. فالبرهان لا يبحث اليوم عن شركاء، بل عن منفذين.. وكل من لا يصلح لهذه الصيغة، يُعاد تصنيفه تلقائيًا كعبء، لا كحليف.

(6)
أما الحديث عن التخلص من الإسلاميين، فليس سوى عنوان استهلاكي للاستخدام الخارجي.. ما يجري في العمق ليس تفكيكًا لمنظومة، بل (إعادة توزيع للأدوار داخلها).. الوجوه تتبدل، لكن العقل الذي حكم بعد الانقلاب لا يزال هو ذاته.

(7)
إبعاد كباشي ـ إن تم أو يُخطَّط له ـ ليس حدثًا معزولًا، بل مؤشرًا على أن السلطة دخلت مرحلة (أكل الذات).. وحين تبدأ الأنظمة في تصفية مراكزها الداخلية، فذلك إعلان غير مكتوب عن خوفها من المستقبل أكثر من ثقتها في الحاضر.

في أفق الحرف، هنا، لا نسأل: من سقط؟
بل: “لماذا سقط الآن؟”
ولا نبحث عن بطل جديد، لأن التجربة علّمتنا أن البطولة داخل هذه المنظومة وهمٌ مؤقت..
ما يحدث اليوم ليس صراع مبادئ، بل صراع بقاء،
ومن لا يصلح للمرحلة..
تُمحى ظلاله، مهما كان تاريخه،
وتُكتب الصفحة التالية بيدٍ واحدة،
حتى لو كانت اليد ترتجف..إنا لله ياخ..الله غالب.
#شبكة_رصد_السودان

‫4 تعليقات

  1. سيب الوهم دا ….العسكر الان في افضل حالته ويحظي بقبول لا محدود في الشارع ومتماسك …

    ورجاء لا تنخروا في جسده فينهار السودان كله يرحمكم الله

  2. السؤال الذي لن يستطيع كاتب المقال ان يجيب عليه هو : لماذا كباشي بالذات ضد طموحات البرهان
    لماذا لا يكون ياسر العطا مثلا أو قائد الظل علي كرتي

  3. الشيء بالشيء يذكر:
    ماذا نشرت صحيفة “العرب”
    بتاريخ السبت ١٥/ فبراير ٢٠٢٥؟!!
    صراع النفوذ وطموحات ياسر العطا
    في الجيش والسياسة في السودان.
    تحرك العطا نحو بناء قوة مستقلة أدى إلى إثارة توترات داخل الجيش حيث بات واضحا أن هناك صراعا متناميا بينه وبين قيادات مثل البرهان وكباشي اللذين يفتقران إلى القاعدة الشعبية والعسكرية. منذ سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، دخل السودان في مرحلة سياسية معقدة، شهدت إعادة تشكيل مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية والسياسية. في هذا السياق، برزت شخصيات جديدة تسعى لملء الفراغ الذي خلفه النظام السابق، ومن بينها الفريق ياسر العطا، الذي فرض نفسه كأحد اللاعبين المؤثرين داخل الجيش السوداني. يتمتع العطا بحس إستراتيجي جعله يبتعد عن المسار التقليدي للقيادات العسكرية، ليؤسس لنفسه نفوذا خاصا، يعتمد على تكوين قوى رديفة داخل الجيش، واستقطاب قطاعات شبابية كانت جزءا من الحراك الثوري، لكنها وجدت نفسها لاحقا بلا حاضنة سياسية واضحة.
    في بداية المرحلة الانتقالية، بدا العطا شخصية عسكرية تميل إلى التوازن، لكنه سرعان ما بدأ في رسم مسار مختلف، يعتمد على بناء تيار داخل الجيش يكون ولاؤه له شخصيا، وليس للقيادة العليا ممثلة في عبدالفتاح البرهان وشمس الدين كباشي. استغل العطا الأوضاع المضطربة بعد الثورة لاستقطاب الشباب الثائر، خاصة أولئك الذين يحملون موقفا عدائيا تجاه الأحزاب السياسية التقليدية، وقدّم لهم بديلا يستند إلى قوة عسكرية موازية يمكن أن تكون أداة لتغيير المعادلات داخل السودان.

    هذا التوجه لم يكن مجرد خطوة تكتيكية، بل كان جزءا من مشروع أوسع يهدف إلى ضمان موقع مؤثر للعطا في المستقبل. فبدلا من البقاء في حدود المؤسسة العسكرية، عمد إلى تشكيل مجموعات مسلحة شبه مستقلة، قادرة على العمل خارج نطاق التحكم التقليدي لقيادات الجيش. هذه المجموعات، التي عُرفت لاحقا باسم “الكتائب الثورية”، كانت نواة لقوة قد تمنحه نفوذا أكبر في المشهد العسكري والسياسي. عمد العطا إلى توظيف إستراتيجيات استقطاب دقيقة، تقوم على استغلال حالة السخط الموجودة بين الشباب الذين شاركوا في الثورة، لكنهم وجدوا أنفسهم مستبعدين من المشهد السياسي لاحقا. اعتمد على خطاب يعزز لديهم الشعور بأن الأحزاب السياسية التقليدية خذلتهم، وأن الجيش وحده هو الذي يستطيع تحقيق تطلعاتهم. من خلال هذه الإستراتيجية، نجح في تجنيد أعداد متزايدة من الشباب، وتحويلهم إلى أدوات في مشروعه العسكري والسياسي. بدأ تنفيذ هذا المخطط على أرض الواقع في أم درمان، حيث جرى تدريب هذه العناصر وتأهيلها لتكون جزءًا من الميليشيات الرديفة التي تسعى لتعزيز نفوذ العطا داخل المؤسسة العسكرية. وكان الهدف من ذلك واضحا: تكوين قوة شبابية تضمن له سندا في أيّ صراع مستقبلي داخل الجيش، خاصة في ظل التنافس المستمر بين الأجنحة المختلفة. أدى تحرك العطا نحو بناء قوة مستقلة إلى إثارة توترات داخل الجيش، حيث بات واضحا أن هناك صراعا متناميا بينه وبين قيادات مثل البرهان وكباشي، اللذين يفتقران إلى القاعدة الشعبية والعسكرية التي يتمتع بها العطا داخل أوساط الشباب والجنود الصغار. هذا التنافس تصاعد بشكل ملحوظ، مع تزايد نفوذ العطا على الأرض، الأمر الذي جعل بعض القيادات تنظر إليه باعتباره تهديدا مباشرا لوحدة الجيش.

    إحدى نقاط الضعف التي يعاني منها البرهان وكباشي هي افتقادهما لحاضنة سياسية وعسكرية قوية. فبينما يحاول البرهان تقديم نفسه كزعيم سياسي محتمل، ويبحث عن شرعية دولية، يركز كباشي على الحفاظ على نفوذه داخل المؤسسة العسكرية. في المقابل، يدرك العطا أن قوته لا تكمن في الاعتراف الدولي أو المناصب الرسمية، بل في قدرته على بناء قوة عسكرية موازية، تستطيع التأثير في توازنات السلطة. يرتبط العطا بعلاقات وثيقة مع بعض التيارات الإسلامية في السودان، خاصة تلك التي تسعى لاستعادة نفوذها داخل الجيش. يتمثل هذا التقارب في مواقف العطا العدائية تجاه الأحزاب السياسية، وتبنيه خطابًا يعادي القوى المدنية التي تسعى لتأسيس نظام ديمقراطي حقيقي. فهذا التوجه جعله يحظى بدعم بعض الفصائل الإسلامية، التي ترى فيه أداة يمكن استخدامها لإعادة تشكيل المشهد السياسي لصالحها.

    لكن رغم هذا التقارب، يبقى التحالف بين العطا والإسلاميين هشا، لأن كل طرف يسعى لتحقيق أهداف مختلفة. فبينما يريد الإسلاميون العودة إلى السلطة من خلال اختراق المؤسسة العسكرية، يسعى العطا إلى بناء مشروع شخصي يمنحه استقلالية أكبر. هذا التعارض قد يؤدي لاحقا إلى صدام بين الطرفين، خاصة إذا شعر العطا بأن الإسلاميين يسعون للسيطرة على مساره أو تقليص نفوذه. لا تقتصر أهداف العطا على تعزيز موقعه داخل الجيش، بل تتعداه إلى الطموح بلعب دور سياسي بارز في المرحلة المقبلة. فمن خلال بناء قوة شبابية مسلحة، يسعى لضمان حضوره في أيّ تسوية سياسية مستقبلية، سواء عبر الاستمرار داخل الجيش أو الانتقال إلى موقع سياسي أكثر تأثيرا. لكن هذه الطموحات تصطدم بعوامل عدة، أبرزها ضعف خبرته السياسية وعدم امتلاكه رؤية واضحة لكيفية التعامل مع التعقيدات المدنية. فمن السهل عليه استقطاب الشباب وتعبئتهم، لكنه سيواجه تحديا أكبر في بناء تحالفات سياسية مستدامة، خاصة في ظل الرفض الشعبي المتزايد للحكم العسكري.

    كما أن المشهد السوداني يتسم بعدم الاستقرار، ما يجعل من الصعب على أيّ طرف فرض سيطرته المطلقة. فبينما يسعى العطا لتعزيز نفوذه، هناك قوى أخرى تتحرك في الاتجاه المعاكس، سواء داخل الجيش أو في الأوساط المدنية. وهذا يعني أن مشروعه، رغم قوته العسكرية، قد لا يكون كافيا لضمان استمراريته في المشهد على المدى الطويل. يواجه العطا تحديات كبيرة في تحقيق طموحاته، فبينما استطاع خلال السنوات الماضية تكوين قاعدة دعم عسكرية، إلا أن هذه القاعدة قد لا تكون كافية لمواجهة التطورات المستقبلية. فهناك عدة عوامل قد تؤثر على موقعه، منها احتمالية المواجهة المباشرة مع قيادات الجيش، فمع تزايد نفوذه، قد يجد العطا نفسه في مواجهة مباشرة مع البرهان وكباشي، اللذين لن يسمحا بظهور قائد ينافسهما داخل المؤسسة العسكرية. فالتحديات السياسية والإقليمية أيضا تلعب دورا، فالسودان ليس بمعزل عن التأثيرات الإقليمية، وهناك أطراف دولية تراقب المشهد عن كثب، وقد لا تكون متحمسة لظهور قوة عسكرية جديدة خارج نطاق السيطرة التقليدية. إضافة إلى ذلك، يعيش السودان حالة اضطراب سياسي مستمرة، ما يجعل من الصعب على أيّ طرف فرض سيطرته بشكل كامل دون دعم سياسي واقتصادي قويّ. كما أن محدودية قدرة العطا على إدارة تحالفاته تبقى عاملا مهما، فبالرغم من نجاحه في استقطاب مجموعات شبابية، فإن التعامل مع هذه القوى المختلفة قد يكون معقدا، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..