مقالات وآراء

جَدَلِيَّةُ الألَمِ والأمَلِ في أُغْنِيَّةِ “بَحْرِ التَّباب” (2)

عماد الدين قرشي محمد حسن

دراسة تحليلية بلاغية
إذا كان الجزء الأول من قراءتنا لأغنية: “بحر التَّباب” للشَّاعر فتح الرحمن النعيمة قد استغرق في رصد أنَّات البَّحار وانكسارات الرَّوح أمام سطوة الموج، فإنَّ الجزء الثاني يأتي ليفتش عن النُّور الكامن في عتمة المحار، هنا حيث ننتقل من مرحلة ” توصيف الألم” إلى مرحلة ” استنطاق الأمل”؛ كيف تحولت المعاناة إلى وقود للصمود؟ وكيف استطاع النَّص الشعري واللَّحني أن يبني جسراً فوق بحر اليأس، ليعلن أنَّ ” التَّباب ” ليس نهاية الطريق، بل هو المخاض الضروري لولادة الفجر الجديد.
وفي ظلِّ هذه المأساة (الموت والدَّم المسفوح)، واليأس والخراب تستدعي بنية التَّسلسل المنطقي للأحداث أن تنتظر الأرض حالة ترقب وانتظار، وهي الحالة التي تسبق التغيير؛ لذلك تحولت لغة النَّص في المقطع الخامس إلى لغةٍ مُشبَّعة بالأمل المنتظر، فيقول:
” بي لهفة منتظرة المطر
يسقيها من عبق السحاب
تنبــــت سنابلنا القـــــمح
والفـــــــرحة نفتح ليها باب ”
فهنا ينتقل الشَّاعر من ضيق “التَّباب” (الخسارة) إلى اتساع “السحاب”، فالمطر لم يعد مجرد ظاهرة طبيعية، بل أصبح رمزاً لميلاد جديد. فاستخدم الشَّاعر الاستعارة التصريحية في قوله: “بي لهفة منتظرة المطر” حيث شبَّه الشَّاعر حالة الرَّجاء بـ “اللَّهفة”، وهي أقصى درجات الشَّوق التي تتجاوز الصبر على الأذى، ولعل الربط بين اللَّهفة والمطر يعكس حاجة الإنسان الفطرية لـ “الفرج” بعد رحلة التَّعب والعذاب، وفي قوله: “عبق السحاب” أنسنة للطبيعة فخلع عليها الشَّاعر بعض الصِّفات الإنسانية، وهذا هو التَّشخيص، بل زاد على ذلك واستخدم تراسل الحواس حيث استخدام كلمة “عبق” (وهي رائحة الطيب) مع “السحاب” (الذي يُرى ويُلمس مطره) فاطلق المشموم على الملموس؛ فالشَّاعر لا يرى السحاب فحسب، بل يشم فيه رائحة الحياة القادمة. أما في قوله:” تنبــــت سنابلنا القـــــمح ” فاستخدم الشَّاعر الرَّمز، فـ”المطر” يرمز به للسَّلام، و”سنابلنا القمح ” يرمز به للتنمية، ثم عطف جملة: ” والفـــــــرحة نفتح ليها باب ” على جملة:” تنبــــت سنابلنا القـــــمح ” لنقل المعنى من المستوى المادي إلى المستوى الوجداني؛ حيث جعل الشَّاعر الفرحة وكأنها زائر عزيز يطرق الباب، فاستخدم الاستعارة المكنية؛ ليبين أنَّ القمح يغذي الجسد والفرح يغذي الروح؛ فلا قيمة لسنابل القمح إذا كانت الأبواب مغلقة.
وفي المقطع التالي يقف الشَّاعر على وصف مشهد من مشاهد الطفولة الريفية الهادئة:
” وأطفالنا تلعب بي شليل
وتســــوي بقـــارة وقباب
حبــــوبه في ضي القـــــمــر
حجــواتا لي لبنة ورباب ”
في هذا المقطع استخدم الشَّاعر أسلوب الوصف القصصي؛ حيث وصف تفاصيل اللعب: (شليل، بقارة، قباب) في إشارة إلى بيوت الطين والأكواخ التي يبنيها الأطفال، كما وصف زمان ومكان القصة:” ضي القـــــمــر”، وأشار إلى الراوي: ” حبــــوبه “، فالشَّاعر في هذا المقطع شكَّل صورًا شعرية متكاملة؛ ليوثِّق التراث الشعبي ويستحضر زمن البراءة، ويثير الحنين، مما أضفى على القصيدة عمقًا عاطفيًا وجماليًا.
وفي المقطع التالي يُشير الشَّاعر إلى حكمة عميقة تعلمنا أنَّ السَّعي النبيل قد لا يُتوج بالنَّجاح دائمًا رغم الإخلاص والجهد المبذول”:
” ومشينا شان نقدر نصل
والخطوة لا ضل لا حجاب
ورجعــــنا بي خُفي حنيـــــن
بالحسرة سافيــــن التـــــراب ”
استهلَّ الشَّاعر هذا المقطع بالأسلوب الخبري، اعتمد على سرد الحالة والنتيجة “مشينا” و “رجعــــنا”، الغرض منه إظهار التَّحسر والنَّدم، ثم استخدم الشَّاعر التَّضاد المعنوي بين الإخلاص في السعي” لا ضل لا حجاب “، وبين مرارة العودة “بي خُفي حنيـــــن”،
ثم حوَّل الشَّاعر الشعور النفسي “بالحسرة” إلى فعل مادي محسوس بقوله: “سافيــــن التـــــراب”.
وفي المقطع التالي انتقل الشَّاعر من وصف الخيبة إلى تحليل جذورها وتحديد أبعادها:
” وبقينا ما بنشبه بعض
الوعد زيف خدعة وسراب
وزرعنا للجــــــور والفتن
وجنينا في الآخـــر خــــــراب ”
وهنا عمد الشَّاعر إلى تشخيص أسباب الخيبة فذكر منها: أولًا الفرقة والشتات؛” وبقينا ما بنشبه بعض” أي زوال الوحدة والهدف المشترك؛ فالوعود كانت كاذبة ” الوعد زيف خدعة وسراب”، وكذلك سوء الإدارة والظلم، ” وزرعنا للجــــــور والفتن”، وكان نتيجة ذلك؛ ” وجنينا في الآخـــر خــــــراب “.
وفي المقطع التالي الشَّاعر إلى التذكير بمركزية العدل فأشار إلى المرجعية الأخلاقية وهي البعد عن الظلم:
” الظلم ظلمات يا بشر
وعقلنا من الفينا ذاب
في العدل سلمان النبي
اتفقـــد الهدهــد غياب ”
وهنا استخدم الشَّاعر التناص والتَّضمين لإبراز المعنى، أولًا: التناص الديني المباشر من الحديث النبوي الشريف ((اتَّقوا الظلم، فإنَّ الظلم ظُلمات يوم القيامة)) ” الظلم ظلمات يا بشر”؛ ليؤكد على عاقبة الظلم الوخيمة، وثانيًا: التَّضمين في قوله:” في العدل سلمان النبي اتفقـــد الهدهــد غياب ” حيث استلهم الشَّاعر من القرآن الكريم قصة سليمان مع الهدهد لتعزيز قيمة العدل؛ فتفقد سليمان لغياب الهدهد نموذج لاهتمام القائد بكافة تفاصيل مملكته، ” وعقلنا من الفينا ذاب ” تعبير يوحي بمرارة غياب الوعي وهو تعبير مجازي.
ثم يختم الشَّاعر أبياته بالمقطع الأخير الذي يحمل حلًا روحيًا حاسمًا:
” يا الله لي حال البلد
الخاين اجزيهو الشهاب
تتبدل الاحــــزان نعود
عــــــودا حميدا مستطاب ”
بدأ المقطع بنداء تضرع إلى الله عزَّ وجلَّ بشأن حال البلد التي باتت صعبة، ثم طلب من الله أن يُعاقب الخائن عقابًا شديدًا ” الخاين اجزيهو الشهاب”؛ لتتبدل الأحزان ونعود “عــــــودا حميدا مستطاب ” النهاية المرجوة وهذا هو الهدف من النص العودة إلى استحضار الماضي المتمثل في العدل ونبذ الحاضر.
وعلى كلٍّ فالنَّص مترابط الأجزاء، والقصيدة قد نجحت في أن تكون وثيقة أدبية تعكس قدرة الرُّوح البشرية على التَّرميم، لتظل جدلية الألم والأمل فيها مفتوحة على كل الاحتمالات، تماماً كالبحر الذي لا يهدأ، لكنه يحمل في أعماقه دائماً وعداً بالوصول.

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..