مقالات وآراء

حرب بلا بوصلة: السودان في فلك الوكلاء وسؤال الـ End Game

ليست الحروب الحديثة انفجارات غضب أو ردود فعل أخلاقية، بل مسارات تُدار ببرود، وتُقاس بمنطق القوة لا بمنطق الشعارات. هذا ما استقر عليه علم العلاقات الدولية منذ مورغنثاو، وما شدّد عليه ميرشايمر: الدول لا تتحرك بدافع القيم، بل بدافع البقاء وتعظيم النفوذ. ومن هذا المنظور، فإن السؤال الجوهري في الحرب السودانية ليس من هو الأكثر إجرامًا، بل: إلى أين تقود هذه الحرب؟ وما هي الوجهة النهائية؟

حين تغيب الإجابة عن هذا السؤال، تتحول الحرب — كما نبّه ريمون آرون — من أداة سياسية إلى فشل سياسي كامل. وما يجري في السودان لا يمكن فصله عن نمط الحروب بالوكالة، حيث تُستنزف القوى المحلية نيابة عن قوى أكبر لا تقاتل بنفسها، بل تدير الصراع وتتحكم في سقوفه ومآلاته.

في هذا الإطار، لم تعد بعض الدول الخليجية فاعلًا إقليميًا مستقلاً، بل غدت مديرًا تنفيذيًا لملفات عربية–إسلامية معقّدة، تعمل ضمن مرشد استراتيجي واحد تقوده الولايات المتحدة، ويضع أمن إسرائيل في صدارة الثوابت. الدور هنا لا يقتصر على التمويل أو شراء النفوذ، بل يتجلى في إدارة الإنهاك طويل الأمد، أي إبقاء الدول الهشة في حالة صراع منخفض الحسم، عالي الكلفة، حتى تُفرغ من أي إمكانية لقرار سيادي مستقبلي.

وليس من قبيل الصدفة أن الدول التي خضعت لهذا النموذج — الصومال، اليمن، السودان — هي دول اتخذت، في لحظة ما، موقعًا مناهضًا للكيان الصهيوني أو خارج الاصطفاف النهائي. فالإنهاك ليس عقابًا أخلاقيًا، بل إجراءً وقائيًا يضمن تحييد الجغرافيا سياسيًا، حتى لو بقيت الدولة قائمة فقط بالاسم.

تتعقد المأساة السودانية أكثر حين نُدرك أن الضرر لم يأتِ فقط من الخارج البعيد، بل من الجوار القريب. فقد تبيّن، متأخرًا، أن الارتهان لمصر باسم القومية العربية والحنين الناصري ألحق بالسودان أضرارًا بنيوية لم تكن إسرائيل لتجرؤ على إحداثها لولا هذا الاندفاع العاطفي. كان ذلك خطأً استراتيجيًا: تغليب العقيدة على المصلحة، والرمز على الحساب، في عالم لا يعترف إلا بمن يفاوض من موقع وضوح وقوة.

ومع ذلك، فليست هذه الوقائع سوى مدخل للسؤال المؤجل: ما الذي نفعله ونحن نخوض حربًا بلا تصور لنهايتها؟ نحن ندور في فلك دول، وهذه الدول تدور بدورها في فلك قوى أعظم، وما لم نتبين اتجاه هذا المدار، سنواصل الاقتتال حتى تُستنزف قوانا، لا كضحايا تآمر فقط، بل كضحايا عجز عن التفكير في المصلحة الوطنية بوصفها أولوية.

لقد اختُبر هذا المسار من قبل. اغتيال جون قرنق فتح الطريق لتفكيك السودان وانفصال الجنوب، ثم سرعان ما انتقل الـDNA المؤسسي والأخلاقي للمؤتمر الوطني إلى الدولة الوليدة. واليوم، يعيد التاريخ نفسه باتجاه غرب السودان. نحن نزعم أننا في حرب مع الكيزان، بينما نحن — في العمق — نعيد إنتاج بنيتهم الذهنية: الهروب إلى العنف بدل مواجهة الأسئلة الصعبة.

إنها وراثة دولة فاشلة، لا قطيعة معها. وراثة تُعيد إنتاج نفسها كلما غاب التفكير النقدي، وكلما فُضّل الهتاف على التخطيط.

في خضم هذا الانسداد، يُقدَّم البعض خطابًا مدنيًا بوصفه موقفًا أخلاقيًا، لا سيما شعار “لا للحرب”، مع علم أصحابه أن المجموعات الأيديولوجية المتصدرة المشهد اليوم لا تستجيب للمناشدات الأخلاقية. الأخطر أن هذا الخطاب ينطوي على رهان انتظاري صامت، يترقب لحظة الحسم العسكري لإعادة ترتيب السلطة، بحيث تُسلَّم في النهاية إلى النخب المركزية ذات النكهة الليبرالية، المتماهية مع موجهات البنك الدولي ونادي باريس، باسم الاستقرار وإعادة بناء الدولة. هنا لا نتحدث عن قيم، بل عن إدارة انتقال مُعدّ سلفًا.

في مواجهة هذا السيناريو، تبدو فكرة التوافق الوطني — مهما بدت مكلفة ومؤلمة — أقل كلفة بما لا يُقاس من الارتهان الكلي للخارج والوقوع تحت وصاية دولية كاملة. فالتوافق، حتى إن جاء منقوصًا، يبقى مساحة سيادة، بينما الوصاية ليست سوى مصادرة مؤجلة للقرار، تُدار فيها البلاد كملف لا كأمة.

في ظل هذا الواقع، قد لا يكون تفادي الضغوط الدولية ممكنًا، لكن الواقعية لا تعني الانتحار. نحن، من حيث الخيارات لا المكانة، أقرب إلى أمة منهكة تُخيَّر بين التفاوض على شروط البقاء أو السحق الكامل. الأدوات الناعمة اليوم — العقوبات، العزلة، والهندسة المؤسسية — أشد فتكًا من السلاح. ومن دون وضوح في الوجهة النهائية، ستظل هذه الحرب دورانًا دمويًا في حلقة مغلقة، حتى نفقد ما تبقى من دولة، وما تبقى من معنى.

‫9 تعليقات

  1. كلام مفيد وجاء في زمنه شكرا د. وليد خاصة عبارتكم رهان النهاية إلى النخب المركزية ذات النكهة الليبرالية، المتماهية مع موجهات البنك الدولي ونادي باريس، باسم الاستقرار وإعادة بناء الدولة. هنا لا نتحدث عن قيم، بل عن إدارة انتقال مُعدّ سلفًا. ادعو المتفلقصة بت قرناص الي الاعتذار وسحب الدعوي في مواجهة هذا العملاق الذي يتهدده السجن بعشر سنوات دون مراعاة امال السودانيين فيه بان يكون المؤسس التاني بعد حمدوك بس انصحه بعدم زيارتنا في قطر الا بعد موت الشبخة موزة المحرك الرئيسي للاتهام

  2. نعم كلام علمي وواقعي مع تحفظ على إبعاد البعد الأخلاقي من شأن حساس كشأن الحرب .
    نعم ها انت تقتنع بان تمويل هذه الحرب خارجي تحديدا تسليح المليشيا رغم انك لم تسمها ولكن من حق الجيش الحصول على أي سلاح باعتباره المؤسسة المعنية بحماية السودان .
    نعم الحرب ليس صراع بين الكيزان والقحاطة وليس صراع قبلي بحت نعم دخل صراع الكيزان والقحاطة في الحرب كما دخل البعد القبلي فيها .
    نعم الحرب هندسة أمريكية إسرائيلية بتمويل معلوم من الدويلة قصدها تفكيك مراكز قوة في الشرق الأوسط وقد يكون لها بعد اقتصادي .
    ولكن في تقديري والله اعلم ان الجيش على وشك ان يعبر اخطر مراحل الصراع وهي تعريف كل المؤثرين بان الصراع اكبر من السودان (السعودية مصر ) وتعريف المعرف بان الامارات هي الداعم الرئيسي للمليشيا .
    اهم نقطة ان الجيش بهذا التعريف اصبح له سند من شعبه الا قلة قليلة من مستفيدين من وجود المليشيا .
    اهم من ذلك ان الجيش له قضية واضحة وهي الحفاظ على بقاء الدولة وهذه هي قضية تمثل جوهر الحرب
    بقي الحديث عن افق مصالحة وهو مشروط بعدم عودة المليشيا للعلب دور في المستقبل وحتى المليشيات الأخرى يجب ان لا يكون لها دور اي ان افق المصالحة مشروط بان يحتكر الجيش فقط القوة لأنه مهما كانت خشونة اللاعبين السياسيين بدون وجود سند من سلاح او بندقية فهذه الخشونة مقدور عليها وحتى انسداد الأفق في حال احتكار الجيش للقوة امر مقدور عليه فقط المطلوب لاي افق ان يحتكر الجيش السلاح بأسس مهنية بحتة .

    1. إحتكار الجيش للسلاح ومن ثم العنف
      هو ما أقترحته القوي المدنية مرارا وتكرارا
      والمضحك المبكي أن من رفض ذلك هو الجيش نفسه
      وبالرجالة كدا داير توصل فكرة إنه الجيش هو حامي السودان
      الجيش مما قام وحتي الان لا يهمه السودان ولا حدوده
      الجيش جيش سلطة ويحميها ويقتل من يقترب منها
      هو الأن جيش الكيزان الذين يسعون للعودة للسلطة من وراءه
      لو أن الجيش أكتفي بدوره في حماية البلاد والدستور لكان حال السودان مختلف تماما

    2. انت يا عادل مش كنت قبل يومين كاتب لقب دكتور

      افهم ايها الجاهل أنه اذا كان من جق الجيش أن يحصل على أي سلاح باعتباره المؤسسة المعنية بحماية السودان , فلماذا لم يؤد واجبه في حماية المواطنين في وسط البلاد في العاصمة و هو يتفوق على الدعم السريع التي تسمونها مليشيا يتفوق عليها بجهاز الاستخبارات و الطيران و الدولة العميقة و الدعم الأجنبي المصري في مروي و وادي سيدهم و أخيرا في شرق جبل العوينات في دولة أجنبية .

      انتو الجيش دا بتعرفوه فقط لمن تتحدثوا عن حقوقه
      وين الواجبات
      يعني انت داير موظف يأخذ مرتب شهري لانه من حقه و يكون نايم في بيته طوال الشهر

      هذا منطق الحمير

    3. المدعو عادل ، الجيش السوداني بعد هزيمته المريعة في الجنوب ،اصبح شيئا ثقيلا على حكومة الكيزان وتم الزج به في محرقة دارفور الجديدة ، وحينها واجه الجيش المجتمع الدولي باكمله وما كان مستورا ومخفيا في حرب الجنوب اصبح مكشوفا امام العالم ، مذابح دارفور هي التي اوحت لجيش الكيزان لاخراج الجنجويد من قمقم الشر وهو الان يواجه ربيبته ، ولكي ترى مهازل هذا الجيش الجبان الرعديد فبضعة من رعاة الابل والماشية هزمو جيشا فقط باسلحة فردية بدون دبابات ولا طائرات ولا سفن ولا مدافع ،، هزمو جيشا يقال أن عمره مائة عام فيا للفضيحة ،، فلا ترمي لومكم على الامارات في فضائحكم المقززة ،،الامارات صادقة في عداوتها للاخوان المسلمين ولن ترتاح حتى تقضي عليهم قضاء تاما ،، عكس السعوديه ومصر التي تحاربان الاخوان في بلادهما وتؤيدان وتسلحان اخوان السودان من أجل القضاء على الحكم المدني الديمقراطي في السودان

  3. قحاطة عووووووووووك الجيش ماضي في حسم المليشيا وابواقها رغم الثكلي والردحي وحي ووووووب دكتور ما دكتور ما مهم سوداني ليس بكوز ولا قحاطي سوف يبقى السودان بجيشه ومؤسساته الوطنية وشعبه ويذهب الزبد جفاء
    تصحيح
    نعم :
    سوف يبقى السودان بجيشه ومؤسساته الوطنية وشعبه ويذهب الزبد جفاء

    1. يا ويلك من الله سبحانه و تعالى فأنت تستعمل معاني قرآنية في باطلك الذي تدافع عنه و الحمدلله أنا لست قحاتيا و لا دعاميا و لا ضلاليا مثلك , بل أنا مع الحق و انت مع الباطل
      و اذكرك ان العزبن عبدالسلام في وقت حرب المغول طالب قادة الجيش ببيع كل ما عندهم من كماليات ثم بعد ذلك يطلب من عامة الشعب المساهمة في حرب المغول و انت تعرف ان المغول هزموا أمما كثيرة و لكن برهانك الان ارسل أولاده الى تركيا للحياة المخملية و ترك المساكين

      1. ليس هذا باطل يا مسكين بقاء السودان باهله المسلمين ليس بباطل رغم كيد الأعداء وجحود المستلبين من الأبناء
        ده اسمو اقتباس ما درست بلاغة يا ابن قحت انت ولا كيف
        نعم
        سوف يبقى السودان بجيشه ومؤسساته الوطنية وشعبه ويذهب الزبد جفاء
        نعم
        سوف يبقى السودان بجيشه ومؤسساته الوطنية وشعبه ويذهب الزبد جفاء
        نعم
        سوف يبقى السودان بجيشه ومؤسساته الوطنية وشعبه ويذهب الزبد جفاء

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..