مقالات وآراء

تعالوا نتقالد عشان الوطن

م. معاوية ماجد

في حضنك وجدتني أختبئ
عن ألم دفين
وعن فرح خائف
وعن فقد
وعن رجاء
وعن حلم ينقي همس الأنفاس
الأصابع تتشابك
والأنفاس تتقاطع
نتحدث بصمت أصدق من الكلام
والدموع
كأنهار صامتة
تحكي تفاصيل اللحظة
وتبث رائحة الحنين
في حضن الأمان.
ما بين ما نعيشه اليوم وما نحلم به غدًا، يقف الوطن في لحظة اختبار قاسية. ليس كفكرة مجردة، ولا كذكرى جميلة، بل كبيتٍ كبير، كل ما يتصدع فيه لا يخص غرفة واحدة، بل يطال الجميع. حين يتحول الخلاف إلى نمط، والمسافة إلى عادة، يصبح الخطر أكبر من أن يحتمله بيت واحد.
في الليالي الطويلة، حين يثقل الزمن، نصير أسرى العد. نعد الساعات، نعد الأيام، نعد الخسارات، وكأن العد ذاته صار شكلًا من أشكال البقاء. السنين تمضي ببطء، والانتظار يتحول إلى حالة عامة. من غادر المكان ما غادر الوطن، بل حمله معه في صمته، وفي نظرته البعيدة، وفي حلم مرجح بالرجوع إلى أمان انكسر، لكنه لم يختف.
هذه الحرب لم تكن كلها نتيجةً خارجية خالصة. بعض الأغراب صُنعوا من داخل البيت نفسه. أفراد من أهل الدار استعانوا بهم، وتقووا بهم على بقية أهل البيت، ظنًّا أن السيطرة ممكنة، وأن النار يمكن توجيهها. لكن حين اشتدت شوكة هؤلاء، انقلبوا على من صنعهم، وفتحوا الأبواب لقوى أبعد، لا تنتمي للبيت ولا يعنيها بقاؤه، بل ترى فيه غنيمة. عندها انفلت الأمر، وتحولت الخلافات إلى حرب، ووقع الخراب، وتكسر البيت على رؤوس أهله.
ورغم ذلك، ما انقطعت الروابط. صحيح أن الحرب بعثرت الناس، لكنها ما قدرت أن تقتلع الجذور. في من نزح داخل البلد، وفي من ابتلعته المسافات، لكن الجميع يشتركون في ذاكرة واحدة: بيت كبير، تأذى كثيرًا، لكنه ما زال قائمًا في الوجدان. الليل صار رفيقًا، والصبر لغة، والأمل خيطًا رفيعًا لا ينقطع.
الخلاف، حين يكون بين أهل البيت، لا يعني الانهيار بالضرورة. لكنه يتحول إلى كارثة حين يدار بعقل الغلبة لا بعقل المسؤولية. العتاب في ذاته صحيح، لكن لا يحول إلى سلاح يهدم الأساس. البيت الذي لا يعرف التسامح، يتآكل من الداخل، والوطن الذي يفشل في إدارة خلافاته، يسلم نفسه للفوضى.
الأزمات الكبرى لا تنفجر فجأة، بل تسبقها تشققات خفية في المعنى، وفقدان بطيء لمنظومة القيم المشتركة التي تضبط الخلاف وتمنحه حدوده الأخلاقية. حين يفقد المجتمع لغته الأخلاقية الجامعة، يصبح كل نزاع مفتوحًا على العنف، وكل اختلاف مرشحًا للتحول إلى صراع وجود. ليس أخطر على الأوطان من لحظة تفقد فيها إجابة السؤال البسيط: ما الذي يجمعنا، وما الذي لا يجوز تجاوزه مهما اشتد الخلاف؟
السودان هو هذا البيت الكبير.
بيت تضرر، وتكسرت بعض غرفه، وتشرد بعض أهله، لكنه لم يفقد روحه. اختلافنا داخله يجب أن يكون اختلاف مسؤولية، لا اختلاف كسر عظام. شراكة في المصير، لا سباقًا على السيطرة.
وفي قلب هذا البيت، يقف الجيش بوصفه مؤسسة وطنية، تضم أفرادًا على مستويات مختلفة من الفكر والانضباط، جميعهم مرتبطون بالواجب تجاه الوطن. الجيش وطني في جوهره ووظيفته، لكن داخله، كما في أي مؤسسة كبيرة، من ابتعد عن روح البيت، وجعل القوة وسيلة للهيمنة، مما قد يحوّل الفرد إلى عامل مهدد للوحدة. الخطر ليس في وجود الجيش، بل في أن تتحول بعض مراكزه إلى “أداة للسيطرة” على أهل البيت بدلًا من حمايتهم.
الدور التاريخي للجيش أن يكون الحارس الجامع، القوة الثقيلة التي تحمي الكيان، لا التي تعيد إنتاج الانقسام. أن يكون سندًا للبيت كله، لا أداة في يد من يريدون “الاستئثار به”. حين يلتزم الجيش بهذا الدور، يصبح صمام أمان، وحين يخرج عنه، يتحول، دون قصد، إلى عامل توتر في بيتٍ مثقل بالجراح.
الشارع امتداد للدار، والحي مرآة للبيت. كرامة الفرد من كرامة الجماعة، وكرامة الجماعة من كرامة الوطن. ما في خلاص فردي، ولا نجاة معزولة. كلنا واقفون في الساحة نفسها، وتحت السماء نفسها.
ما أريد قوله هنا ليس انفعالًا عابرًا، ولا خطابًا وجدانيًا سهلًا، بل محاولة واعية لتفكيك جذور الأزمة، ومسؤولية في تسمية الأشياء بأسمائها، وسعيًا لفهم كيف تصدع البيت قبل أن ننشغل بكيف نعيد بناءه.
إلى كل من فرقتهم الحرب، داخل الوطن وخارجه، العودة لا تعني فقط استرجاع المكان، بل استعادة معنى الشراكة في هذا البيت الكبير، والإقرار بأن النجاة لا تكون فردية، وأن خلاص الوطن لا يصنعه بعض أهله دون بعض.
هنا تبرز مسؤولية من حملوا الوطن معهم إلى المنافي، لا بوصفها مسألة أخلاق شخصية فقط، بل كقضية تمس صورة السودان وكرامته خارج حدوده. كل سوداني خارج وطنه هو، شاء أم أبى، عنوان لوطنه، يقدمه للآخرين من خلال سلوكه اليومي، واحترامه للقانون، وقدرته على إدراك الظرف الاستثنائي الذي خرج فيه من بلاده.
الحرب دفعت بالكثيرين إلى مغادرة السودان، واستقر عدد كبير لاجئين في دول الجوار، وعلى رأسها مصر. بعضهم وصل بطرق نظامية، وآخرون عبر مسارات غير نظامية أُشير إليها أحيانًا بـ”بوابات التهريب”.
ما يجري ليس فقط حرب سلاح، بل حرب معنى. حين تضعف الثقة بين الناس، ويتآكل الإيمان المتبادل، يصبح الفرد وحيدًا حتى وسط الجماعة، ويغدو الوطن مجرد مساحة جغرافية بلا روح جامعة. الأمم لا تنهار فقط حين تخسر معاركها، بل حين تفقد إيمانها بنفسها، وبقدرتها على التعافي، وبالقيم التي تجعل البقاء المشترك ممكنًا.
وأخطر ما في هذه البوابات أنها لم تجلب فقط من يبحث عن الأمان، بل تسلّل من خلالها من لا يقيم للانضباط وزناً، ولا يعترف بحدود القانون، ولا يحترم المجتمع المضيف، حاملاً معه سلوكًا إجراميًا كامل الأدوات.
وهنا يجب أن يقال الأمر بوضوح: ما قامت به السلطات المصرية مؤخرًا من حملات أمنية وترحيل لأعداد كبيرة ممن لا يحملون أي أوراق ثبوتية لإقامتهم، هو حق أصيل للدولة المستضيفة، وإجراء مشروع لحماية أمنها واستقرارها، ولا يمكن النظر إليه إلا في هذا الإطار.
المؤسف أن بعض أبناء الوطن اختاروا أن يكونوا صورة مشوهة للسودان. نسي بعضهم الحرب، وتجاهل أسباب لجوئه، وتصرف كأن الفاجعة انتهت، فامتلأت المشاهد بحفلات صاخبة، وفعاليات باذخة، وبازارات ولقاءات في المقاهي،وممارسات عامة منفلتة لا تراعي دموع الثكالى، ولا تحترم جراح الوطن، ولا تقدر كرم الدولة التي استضافتهم.
حتى قال لي أحدهم، بمرارة قاسية: “غالب السودانيين قلبهم ميت”، وهي عبارة موجعة، لكنها تعكس كيف ينظر إلينا حين نفشل في تمثيل أنفسنا، وحين نتصرف كأن الحرب شأن بعيد لا دم فيه ولا فاجعة. الحقيقة البسيطة أن من لا يحترم نفسه في “الدولة المستضيفة” لا يحفظ للوطن مكانته، ولا يملك حق الادعاء بأنه ضحية فقط.
وكان ينبغي أن يكون للسفارة دور فاعل في التوجيه واتخاذ القرار لمن لا يريد أن يفهم. والأمر المؤسف، بعد “انفجار الوضع”، طالبت السفارة ممثلة في المستشارية الثقافية الجالية السودانية بمراجعتها قبل إقامة أي فعالية، لإصدار التصاريح والتنسيق مع الجهات الأمنية في الدولة. وكنت أتمنى أن يكون القرار فوريًا وحاسمًا بمنع إقامة أي فعالية مستفزة، واحترام ما تمر به البلاد من مآسي. وساهمت شخصيًا سابقًا بمقالات حول المدارس والفعاليات، مقدّمًا فيها رؤى للمستقبل، إلا أن هذه المساهمات لم تؤخذ بعين الاعتبار بالشكل المطلوب.
التاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تبدأ من السياسة وحدها، بل من الثقافة أولًا. من الأغنية التي تجمع، والحكاية التي تعيد تعريف الذات، والرمز الذي يمنح الناس لغة مشتركة للحلم. قبل أن يتغير اتجاه الدول، يتغير مزاجها الروحي، وقبل أن يلتئم الجسد، يجب أن يستعاد المعنى الذي يجعل التضحية ممكنة، والصبر محتملاً، والاختلاف قابلاً للحياة.
في هذا الإطار ينبثق اقتراح ضروري، وذلك من قناعة شخصية بإمكانية فعله وأتمنى أن يتم التقاطه بإيجابية: لماذا لا يتحد الشعراء والملحنون والموسيقيون والفنانون لإنتاج عمل فني مشترك يكون ملحمة غنائية ضخمة تحكي عن السودان ومأساة الحرب، ويقدم هذا العمل للعالم في قالب إنساني موحد، بدلًا من الفعاليات المتفرقة والمحاولات الأحادية التي لا تثمر سوى التشتت؟ هذه الملحمة، بصوت واحد، يمكن أن تكون شاهدة على التاريخ، ومصدر وعي، ورمزًا لوحدة الوطن رغم التمزق، وبوابة لخير وفير.
هنا، بين قلبين لا يريدان الرحيل
يتجلى الزمن
في أهداب العيون
كل لحظة فيها تُسجَّل على الجسد والروح
كل خفقة قلب تحكي قصة انتظار
وكل دمعة تقول: “ها نحن ما زلنا هنا، معًا”
في حضنك يا سوداننا، نجد الأمان، وفي حضن بعضنا بعضًا نعيد بناء الوطن.
عشان كده يا أهلنا، تعالوا نتقالد عشان الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..