
مهما شرب البرهان في الكلاكلة من عصير، ومهما اجتهد في الظهور بمظهر “العادي” أو “المطمئن”، بل وحتى لو ارتشف حلومرًا صافياً أمام الكاميرات، فإن شيئًا من ذلك لا يبدّل الحقيقة الصارخة: الكيماوي الذي استُخدم لا يختفي، ووقائعه لن تُطمس، والمحاسبة—طال الزمن أو قصر—آتية لا محالة.
هذه ليست مسألة صور علاقات عامة، ولا جولات استعراضية وسط أنقاض مدينة مثقلة بالدم والبارود والسموم. ما جرى في السودان، وما جرى في الخرطوم تحديدًا، أكبر من خدعة بصرية، وأعمق من خطاب عسكري متغطرس. الجرائم لا تُغسل بالعصير، ولا تُمحى بالصراخ، ولا تُخفى بابتسامة مصطنعة.
الخرطوم اليوم مدينة ملوّثة: ملوّثة بيئيًا، وأخلاقيًا، وسياسيًا. والسؤال البديهي الذي يتهربون منه: لماذا يُراد للمواطن المسكين أن يعود أولًا؟
لماذا يُدفع الفقراء والنازحون والبسطاء ليكونوا دروعًا بشرية جديدة فوق أرضٍ مشبعة بالموت؟
إن كان لا بد من “العودة”، فالأَولى أن يعود أبناء وأسر الكيزان.
والأَولى أن يعود البلابسة الذين يشعلون الحرب من الفنادق، ويهتفون للقتل من خارج دائرة النار.
أما المواطن الذي لم يملك يومًا قرار الحرب ولا مصلحتها، ولا يملك ما يعينه على الحياة، ولا ما يعمّر به بيته المهدّم، ولا ما يسترد به ما نُهب وما تمّت “شفشفته” على أيدي الشفشافة المحترفين—فللمسكين الحق الكامل أن يقول: لا.
وكما يقول السودانيون بوضوح لا يعرف التجميل:
“الكتّال ما فيه طبزتني.”
فمن أشعل النار لا يملك حق الوعظ بالصبر على لهيبها.
ثم من الذي أعطى البرهان هذا الحق أصلًا ليدعو البسطاء إلى العودة، ويُقسِم أيمانًا مغلظة على منع الدكتور عبد الله حمدوك والمهندس خالد عمر يوسف من العودة؟
هل البلد ملكٌ شخصي؟
هل السودان ضيعةٌ عسكرية يُحرَم فيها المعارضون من الوطن، وتُمنَح “صكوك الوطنية” لمن يسبّح بحمد السلطة؟
منذ متى صار الاختلاف السياسي جريمة؟
ومنذ متى أصبح الاعتراض سببًا للنفي المعنوي؟
وفي هذا المشهد القاتم، يبرز ما يبعث على الاحترام:
ذلك الأدب، والعلم، والمعرفة التي يلقّنها حمدوك وصحبُه لدعاة الحرب—ويُدرّسها الأستاذ جعفر حسن والمهندس خالد عمر يوسف وأمثالهما—للإعلامي أحمد طه، كوز قناة الجزيرة. دروس في المعنى لا في الصراخ، وفي السياسة لا في الشتيمة، وفي الأخلاق لا في التستّر على القبح بالأفكار الساذجة المعلّبة.
أما قناة الجزيرة، التي تُجهد نفسها في تلميع أوساخ جماعة الإسلام السياسي، فليست سوى شريك في التبييض مهما ارتدت من أقنعة المهنية. فالإعلام الذي يساوي بين الجلاد والضحية ليس إعلامًا… بل مغسلة.
الحقيقة لا تموت.
والكيماوي لا يتبخر بالتصريحات.
والسودان لن يُدار إلى الأبد بعقلية المعسكر.
قد يتأخر العدل، نعم.
لكنه لا يضيع.
وحين يأتي، لن يسأل: من شرب عصيرًا؟
بل سيسأل: من أمر؟ ومن نفّذ؟ ومن صمت؟




كلام اركان نقاش في مدرسة ثانوية.