مقالات وآراء

بين نبل النوايا وعقبات الميدان: اختبار الرباعية في أزقة السودان

السماني شكر الله

حين تصاغ الاتفاقات في الغرف المغلقة وتحت بريق الأضواء الدولية، تبدو الكلمات منسابة والحلول ممكنة، لكن المشهد في السودان يخبرنا أن المسافة بين النص النهائي للسلام وبين الواقع الميداني هي مسافة محفوفة بالألغام، ليس فقط بالمعنى العسكري، بل بالمعنى السياسي واللوجستي أيضاً.
إن ما أعلنه السيد مسعد بولس حول خطة اللجنة الرباعية والآلية الأممية لانسحاب المقاتلين، يمثل بلا شك اختراقاً دبلوماسياً نادراً. لكن القارئ للمشهد السوداني يدرك أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التصديق على الورق، بل في التطبيق على الأرض التي تشرذمت فيها مراكز القرار وتعددت فيها الولاءات.
عقدة الانسحاب وضمانات الفراغ
أولى العقبات التي ستصطدم بها الآلية الأممية هي تعريف مناطق الانسحاب. ففي حرب المدن والعصابات التي تشهدها الخرطوم ومدن دارفور، تتداخل خطوط التماس بشكل معقد. السؤال الجوهري هنا: من سيملأ الفراغ الذي سيخلفه المقاتلون؟ وكيف يمكن إقناع مقاتلٍ يرى في موقعه مكسباً استراتيجياً بأن يتركه مقابل وعود بسلام لم تكتمل ملامحه بعد؟ إن غياب قوة مراقبة محايدة وفاعلة على الأرض قد يحول أي انسحاب إلى فرصة لإعادة التموضع بدلاً من كونه خطوة لبناء الثقة.
تحدي السيطرة والقيادة
تتحدث الوثيقة عن اتفاق مقبول للطرفين، لكن الميدان السوداني اليوم يشهد حالة من السيولة العسكرية؛ حيث تتعدد الفصائل والكتائب الموازية. فهل يملك القادة الموقعون على الاتفاق سلطة مطلقة على كل جندي يحمل بندقية في أقصى القرى أو في عمق الأحياء الشعبية؟ إن انفلات القادة الميدانيين هو الكابوس الذي يهدد أي هدنة إنسانية، حيث يمكن لطلقة واحدة طائشة أن تحرق وثيقة السلام برمتها.
لوجستيات الإغاثة: ممرات أم ثغرات؟
تستهدف الخطة تأمين تدفق المساعدات، وهو هدف نبيل يصطدم بواقع اقتصاد الحرب.
فالمسارات التي ستُفتح للإغاثة قد يُنظر إليها من قبل الأطراف المتصارعة كـ ثغرات أمنية يمكن للخصم استغلالها. تحويل هذه الممرات من مناطق رعب إلى دروب آمنة يتطلب تنسيقاً يفوق قدرة الآليات التقليدية، ويحتاج إلى رقابة تكنولوجية وبشرية صارمة تضمن عدم تسييس رغيف الخبز.
*> إن السلام في السودان ليس مجرد توقيع في مجلس الأمن، بل هو صراع يومي مع تفاصيل الميدان، حيث تكمن الشياطين في ثنايا الجغرافيا وتعدد الولاءات.*
إننا إذ نبارك جهد اللجنة الرباعية، نهمس في أذن المجتمع الدولي بأن الشيطان يكمن في التفاصيل السودانية .
إن النجاح لا يقاس بجمال الصياغة الأدبية للاتفاقية، بل بقدرة هذه الاتفاقية على الصمود أمام اختبار الزناد في شوارع الخرطوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..