مقالات وآراء

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحامي

في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن تشتّت القوى المدنية أضعف تأثيرها وأفقدها رؤية موحّدة، داعيًا إلى تنسيق واسع تحت مظلة واحدة للاتفاق على القضايا الأساسية مثل وقف الحرب واستعادة المسار الديمقراطي، معتبرًا أن هذا الهدف ممكن إذا توفرت الإرادة، دون الحاجة إلى اندماج سياسي شامل وصفه بالمستحيل.

مع الاحترام، أعتقد أن التصريح في ذاته يهزم الفكرة. فمجرد التنسيق تجاه وقف الحرب لا يعني سوى توحيد الصراخ بالاحتجاج أو التوسّل، وتأثيره يظل محصورًا في الضغط النفسي على أطراف الحرب الذين تجاوزوا هذه المرحلة منذ زمن.

الضغط الفاعل المطلوب اليوم هو الضغط السياسي المبني على مشروع وطني واضح. غياب المشروع يعني الدخول في تفاوض بلا أوراق قوة، بلا مرجعية، حيث يتحول الحوار إلى مجرد مناشدة أو مساومة، وتنازلات بلا سقف ولا اتجاه.

ثم إن المشروع يحتاج إلى وحدة الصف الوطني، وليس مجرد تنسيق عابر. فوحدة الصف هي القوة الحقيقية التي توحد الرؤية، وتمنح المشروع مصداقية وقدرة على التأثير، وتجعل التفاوض في اتجاه مدروس وواضح. كما أنها القوة الجاذبة والدافعة للجماهير للانخراط خلف المشروع.

ثم ان تصريح د. حمدوك يناقض نفسه، فكيف يمكن تحقيق التحول المدني الديمقراطي الذي يتحدث عنه بدون مشروع ووحدة الصف؟ الجميع يقرّ بأن أسباب الحرب جذرية وتتطلب علاجًا جذريًا، فيبقى الحل في المشروع الوطني الشامل الذي يعالج جذور المشكلة بكل مطلوباتها، بما في ذلك التداول السلمي للسلطة “الديمقراطية”.

وحدة الصف الوطني تعني تجمع القوى السياسية والمجتمعية في منصة مشتركة لتأكيد الاتجاه نحو الحل الجذري، وتوحيد المواقف الأساسية بما يضمن وجود خريطة طريق واضحة، وأدوات ضغط موحدة، وتحديد من يمثل هذا التجمع في أي تفاوض مع أطراف الحرب حول بنود وحدود متفق عليها. وهذا لا يكفي لتحقيقه مجرد التنسيق العابر. ولا يحتاج إلى الاندماج السياسي الكامل الذي يتحدث عنه د. حمدوك، وهو اصلا غير متصور .

يبقى السؤال: أيهما أسبق، المشروع أم وحدة الصف؟
المشروع يسبق وحدة الصف، لأن الوحدة لا يمكن أن تنشأ إلا حول رؤية وطنية واضحة.

أما من يصنع المشروع، فهو أي مجموعة حادبة تتمتع بقبول نسبي لدى بقية القوى المدنية وأطراف الحرب.

في مسار آخر، هناك من يرى أن المطلوب أولًا جمع قوى الثورة لإزالة أسباب عدم الثقة، ثم التفكير في إنهاء الحرب. ومع تقدير حسن نوايا هذا الطرح، إلا أنه ترتيب غير موفق عمليًا وسياسيًا، فالحرب هي أصل أزمة الثقة، وإدارتها بمعزل عن مشروع إنهائها لا يؤدي إلا إلى إطالة الخلاف بدل حله.

الثقة لا تُبنى على اللقاءات والنوايا الطيبة وحدها، بل تُستثمر هذه النوايا في الاتفاق على مشروع وطني واضح لإنهاء الحرب وبناء الدولة؛ فالاتفاق على المشروع يخلق الوحدة، يقلل الشكوك، ويرمم الثقة داخليًا وبشكل تلقائي.

‫3 تعليقات

  1. استاذي الفاضل بالنظر الي مقالكم الجيد أعلاه اتقدم بهذه الاقتراحات والحلول الممكنة (كمكمل للرؤية الواردة في المقال):
    يمكن اقتراح المسار التالي كحل عملي يتجاوز إشكالية “الأسبقية” بين المشروع والوحدة:

    1. المسار التكاملي المتدرج (التنسيق الذكي نحو المشروع):

    · المرحلة الأولى – تنسيق عملي على أهداف دنيا مشتركة: بدلاً من رفض فكرة التنسيق، يمكن تحويلها إلى ورشة عمل دائمة. يبدأ التجمع المدني بالاتفاق على عدد محدود من الأهداف القابلة للتحقيق والواضحة للرأي العام (مثال: وقف إطلاق النار الدائم، فتح ممرات إنسانية، رفض التطهير العرقي). هذا يعطي التجمع مصداقية عملية ويبني عادة العمل المشترك.
    · المرحلة الثانية – اللجنة التأسيسية للمشروع: بالتزامن مع المرحلة الأولى، يُتفق على تشكيل لجنة مصغرة ذات مصداقية وممثلة للتوجهات الرئيسية (وإن لم تكن جميع القوى). مهمتها ليست فرض رؤية، بل صياغة مسودة وثيقة للمشروع الوطني. يجب أن تجيب هذه المسودة على الأسئلة الجوهرية: ماذا نريد بعد الحرب؟ ما شكل الدولة؟ ما آليات العدالة الانتقالية؟ ما ملامح النظام السياسي؟ كيف يتم تداول السلطة؟
    · المرحلة الثالثة – التبني والتفويض: تُعرض مسودة المشروع على جميع القوى المدنية (سياسية، نقابية، شعبية، شبابية) في منصة أوسع للمناقشة والتصويت والتبني. الهدف هو تحويلها من نص إلى عقد اجتماعي ملزم لمن وقع عليه. هذه العملية هي التي تخلق وحدة الصف الحقيقية حول مرجعية واضحة.
    · المرحلة الرابعة – التفاوض من موقف موحد: يصبح لهذا التجمع الموحّد خلفية مشروع واحد، وخطاب تفاوضي واحد، وممثلون مفوضون. هنا ينتقل من “ضغط التوسل” إلى “ضغط التفاوض” القائم على بدائل واضحة.

    2. آليات لتعزيز الجدوى:

    · الاستعانة بالخبرة المحايدة: لجنة الصياغة قد تستعين بخبراء وطنيين ودوليين في بناء السلام والدساتير لضبط المسودة تقنياً.
    · التواصل الاستباقي مع الجمهور: شرح مراحل العمل والخلافات والاتفقات بشكل شفاف لبناء رصيد شعبي ودعم مجتمعي، مما يزيد من قوة الضغط على أطراف الحرب.
    · الانفتاح الجزئي على القوى العسكرية “المتذبذبة”: قد يكون من المفيد، في مرحلة متقدمة، إيصال مضامين المشروع الوطني إلى عناصر داخل أطراف النزاع قد تكون مستعدة لاحتضان رؤية مدنية، مما يحدث شقوقاً في جبهات الحرب.

    3. إعادة صياغة الرد على سؤال “الأسبقية”:
    المشروع ووحدة الصف ليسا خطين متوازيين، بل هما حلقة تطورية. يمكن أن تبدأ ببذرة مشروع (رؤية أولية) تطرحها مجموعة مقبولة، ثم يتم البناء حولها عبر تنسيق هادف يتحول عبر عملية تشاركية إلى وحدة صف، ثم تعود هذه الوحدة لـتعمق وتفصّل المشروع. العملية تكاملية وليست تسلسلية جامدة.

    الخلاصة: النقد الوارد في المقال صحيح بأن التنسيق المجرد غير كافٍ. الحل هو تطويع آلية التنسيق لخدمة هدف أكبر، وهو صناعة المشروع الوطني الموحّد. هذا يتطلب قيادة ذكية تستثني اليأس، وتؤمن بأن بناء الوحدة هو عملية سياسية مؤسسية وليست مجرد شعار، وأن نقطة البداية قد تكون متواضعة (التنسيق على هدف إنساني) لكن بعين على الهدف النهائي (مشروع وطني شامل).

    1. انت مفروض تكون فى محل حمدوك نفسه, اما ناس جعفر حسن و بقية الهتافاتية حرام نضعهم معاك فى اى مقارنة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..