مقالات وآراء

السودان في “ميزان” ترامب هل تقترب الخرطوم من “صفقة القرن” الأفريقية؟

محمد صالح محمد

في لحظة فارقة من عمر الصراع السوداني الذي تجاوز عامه الثاني واقترب من الثالث أطلقت واشنطن “صافرة” دبلوماسية مدوية حملت معها ملامح مقاربة أمريكية جديدة لإنهاء أطول حروب القارة السمراء استنزافاً تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة و التي أكد فيها أن إدارته “قريبة جداً” من وضع حد للحرب في السودان لم يكن مجرد حديث عابر في حفل إفطار وطني بل بدت وكأنها إعلان عن انتقال الملف السوداني من أروقة “المبتردات” الدبلوماسية إلى طاولة “الحسم التفاعلي”.
دبلوماسية “الحزم والصفقات”
تعكس لغة ترامب السياسية ميلاً واضحاً نحو نموذج “السلام عبر القوة والوساطة المباشرة” فبينما كان المجتمع الدولي يراوح مكانه في مبادرات متعددة الأطراف جاءت واشنطن بـ “مجلس السلام” (Board of Peace) ليكون الأداة التنفيذية لرؤيتها هذه المقاربة التي يقودها مستشار الشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس تضع السودان ضمن قائمة “الحروب التسعة” التي تعهد ترامب بإنهائها مما يعطي القضية السودانية زخماً سياسياً لم تحظَ به منذ اندلاع شرارة القتال في أبريل 2023.
الميدان في مواجهة “الموعد النهائي”
على الطرف الآخر من المعادلة يبدو الواقع الميداني في السودان أكثر تعقيداً؛ ففي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن “اتفاق وشيك” وآلية لسحب القوات من المدن الكبرى لضمان عودة النازحين لا تزال التصريحات القادمة من الخرطوم تؤكد على خيار “الحسم العسكري” هذا التباين بين طموح “الصفقة الأمريكية” وإصرار “السيادة الميدانية” يضع القوى السودانية أمام استحقاقات صعبة فهل ينجح الضغط الأمريكي المدعوم بتوافق “اللجنة الرباعية” (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات) في تطويع الميدان لصالح طاولة المفاوضات؟

رؤية “مارس”ملامح التسوية المرتقبة
تُشير التسريبات الدبلوماسية إلى أن واشنطن تضع نهاية مارس كـ “موعد نهائي” (Deadline) للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وتتجاوز الرؤية الأمريكية مجرد إسكات البنادق إلى صياغة “عقد سياسي” جديد يرتكز على:
الإصلاح الأمني والعسكري: وهو العقدة التي لطالما أعجزت الوسطاء.
المسار الإنساني: عبر حشد تمويل ضخم يتجاوز 1.5 مليار دولار لإعادة الإعمار ودعم الاقتصاد المتعثر.
الاستبعاد السياسي: حيث تتجه المقاربة نحو إبعاد التيارات الأيديولوجية المتطرفة لضمان استقرار طويل الأمد.
فرصة أخيرة أم مناورة جديدة؟
يدخل السودان اليوم نفقاً دبلوماسياً دولياً تقوده واشنطن بعقلية “النتائج السريعة” وإذا كانت تصريحات ترامب قد بثت نوعاً من الأمل المشوب بالحذر فإن العبرة تظل في قدرة هذه القوى الدولية على تحويل “التعهدات” إلى “واقع ملموس” يحقن دماء السودانيين إنها لحظة الحقيقة؛ فإما أن يكون السودان هو “النجاح التاسع” في قائمة ترامب أو يظل الجرح النازف الذي يختبر حدود القوة الأمريكية في عالم متعدد الأقطاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..