ختمية واتحاديين و(سناجكة) في رحلة الأحلام المعطوبة

طارق الياس موسى المحامي
هذه اللقطة جمعت السيد جعفر الميرغني وياسر العطا مع وزير الدفاع واثنين من الأصدقاء الأعزاء والأشقاء: حاتم السر وبابكر عبدالرحمن، وزملاء مهنة المحاماة. ويبدو أنها كانت بعد اجتماعات الكتلة الديمقراطية ببورتسودان، وما رشح من هذه الاجتماعات وعتاب البرهان للكتلة، في شخص السيد جعفر الميرغني ومناوي، عتابٌ تجاوز الحد ووصل إلى مرحلة العنف اللفظي، بسبب تقصير الكتلة الديمقراطية في القيام بدورها المنشود والمرسوم والمأمول منها لخدمة أجندة سعادة الفريق البرهان، الذي يجاهد الزمن في محاولة إيجاد البديل المناسب للإسلاميين الذين حق عليهم القول وفات فيهم الفوات.
يبدو على بابكر عبدالرحمن الإعياء واضحًا والإرهاق، وهذا نتاج لصراعات تشهدها الدائرة الضيقة المحيطة بمولانا السيد محمد عثمان الميرغني بين الأبناء فيما بينهم، وبين المقربين الطامحين للإمساك بزمام الحزب لمرحلة ما بعد الحرب، والتي جواز مرورها إرضاء المصريين والارتماء داخل حضن العسكر. وفي تقديري، لا يعدو الأمر كونه صراعًا نهايته طريق مسدود؛ فما قبل الحرب ليس كما بعدها على خارطة السياسة السودانية والأرض والواقع بأي حال من الأحوال.
أما الشقيق حاتم السر، فبعد تسريبات صديقنا الجكومي مع وزير المعادن، وما أشيع حول مقترح قدمه بأن يكون البرهان رئيسًا للجمهورية كما كان عمر البشير، وهي نفس الدائرة التي رفضها الشعب في ثورته المجيدة، جاءني سؤال من زميل مهنة مقرب لكلينا عن تبدل مواقف حاتم السر الليبرالي والمنافح عن الدكتاتوريات العسكرية طيلة أيام الإنقاذ: ما الذي جرى؟ هل تم غسيل للدماغ أم بيع وشراء بثمن بخس؟
يا سيدي، لا هذا ولا ذاك، فليس حاتم السر وحده ولا بابكر، ولعلك لو تابعت كتابات أحمد السنجك لتوصلت إلى ذات النتيجة من الاستغراب والدهشة.
هذه، يا صديقي، منظومة متكاملة بدأت منذ دخول إسماعيل باشا السودان وجيش والده محمد علي باشا الكبير، وقصة صفية بت الملك صبير التي أسرها الجنود وجاؤوا بها إليه مكافأة، ثم الأرض للفلاحة والبندقية للقتال جنبًا إلى جنب مع الجيش الغازي. وهي الأراضي التي تخص العبدلاب، ومن قبلهم ملوك علوة المسيحية، جنوب شندي وحتى تخوم الجيلي، وكانت تُدار من قرى. واستمر التطور حتى تم تكوين الجيش السوداني، أو الحزب السياسي الكبير، في عام 1925 بعد ثورة 1924، ثورة اللواء الأبيض بقيادة علي عبداللطيف وعبدالفضيل الماظ.
وللعلم، فإن ضباط أبناء هذه المنطقة المتحالفة لم يشاركوا مع ثوار اللواء الأبيض، وعلى رأسهم الفريق عبود. وحريٌّ بالقول إن هذه المنطقة، قبل هذا التحالف وسقوط قري وسوبا على يد العبدلاب، كانت ولا تزال وستظل المركز النخبوي للسلطة والمسيطر، تساعدها في ذلك عدة عوامل، منها الحضري والمناخي.
ليبرالية حاتم السر والسنجك ومولانا السيد محمد عثمان الميرغني جوبهت بتهديد كبير وخطير تمثل في الاتفاق الإطاري وإعادة هيكلة الجيش. وهذا الجيش يمثل للطريقة الختمية الرئة والمتنفس، خلافًا لمن يظنون أنه جيش كيزاني بحت. وبما أني كنت قريبًا جدًا من دائرة مولانا الضيقة، ولي فيها أقارب من أهلنا الانقرياب، خاصة الخواص الذين خدموا مع السيد علي الميرغني ومن بعده أبناؤه، فقد حكوا لي كثيرًا من الروايات والمشاهدات أيام حكم عبود، وما كان يدور خلف الكواليس حتى عهد البشير وصلاة العيد الأولى في فترة حكمه بمسجد السيد علي الميرغني مع والدته وتجديد عهد الولاء.
كان حسن الترابي العائق الوحيد لاستمرار التحالف، وبإزاحته عادت المياه إلى مجاريها.
ليبرالية حاتم تلاشت، ومنطقة كاملة إذا تمت هيكلة الجيش والأمن والاستخبارات ستفقد امتيازات كبيرة، وبفقدها ربما تجلس على الهامش، والخوف في عينيها. كل بيت وشارع وزقاق وحارة: أب وعم وخال وجد وحفيد نالوا شرف الجندية والأمن والمخابرات والبوليس السري ذاته، وتقلبوا في الميري حياة كاملة.
الطريقة الختمية، بلا شك، هي الحليف الرئيسي للأنظمة المصرية، سيما نظام الضباط الأحرار بقيادة جمال عبدالناصر ورفاقه، الذين جاؤوا بسنة الانقلابات في المنطقة العربية وقارة أفريقيا منذ يوليو 1952 بعد إزاحتهم للملك فاروق والقضاء على الديمقراطية. ورغم زعمهم أنهم سيعيدون الديمقراطية، فإن مشروعهم قائم على بقائهم ما بقيت إسرائيل.
لذلك كان الاتفاق الإطاري مرفوضًا لمصر وللطريقة الختمية والاتحاديين المرتبطين بالمناطق التي يمثل لها الجيش العمود الفقري معيشةً وملاذًا وأمنًا، عدا القلة من أصحاب المبادئ الراسخة الذين يؤمنون بأن لا خلاص لهذه البلاد من وهدتها إلا بالديمقراطية وطريق الحرية.
الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل طريقه واحد للخلاص والعودة إلى جماهيره، تعرفونه جيدًا ولا فكاك منه. أما المشاركة مع البرهان في هذه الأوضاع المعطوبة، ومجلس تشريعي ووزارات ورئاسة حكومة بضمان مصري، فذلك شغل طواحين هواء، كرواية الإسباني سرفانتس.
ترامب شغال، والرباعية شغالة، وجماهير المدن وشبابها المستعجلون على العودة سيعودون، وثورتهم في محلها، وثاراتهم في قلوبهم، وعلى رأسها جريمة فض الاعتصام وما تلا انقلاب 25 أكتوبر من فظائع لا تزال توغر الصدور.
فإني لكم من الناصحين، فهلا تريثتم وأثقلتم الخطى وأعدتم البصر كرتين؟
اللهم قد بلغت، فاشهد.




اوسكااار
أين اللقطة؟