السودان… مخاض “السلم الصعب” وتحولات الخارطة بين ضغط “الرباعية” وهواجس السيادة
محمد صالح محمد

بينما يطوي عام 2026 شهره الأول يبدو المشهد السوداني وكأنه يقف على عتبة “انعطافة تاريخية” لم تعد تحتمل المناورة فبعد سنوات من الاستنزاف الذي طال الحجر والبشر برزت مؤخراً ملامح “رؤية أمريكية” جديدة مدعومة من “الرباعية الدولية” تسعى لفرض واقع سياسي وعسكري مغاير يرتكز في جوهره على هندسة انسحابات متبادلة وإعادة صياغة وضع المليشيات في معادلة ما بعد الحرب.
“دبلوماسية الممرات”… ما وراء الانسحابات
تتحدث التقارير الدبلوماسية الواردة من كواليس “الرباعية” (واشنطن، الرياض، أبوظبي، والقاهرة) عن نص نهائي لاتفاق هدنة إنسانية موسعة يتجاوز مفهوم وقف إطلاق النار التقليدي إلى “تفريغ المدن” من المظاهر المسلحة. هذه الخطوة التي كشف عن ملامحها المستشار الأمريكي “مسعد بولس” لا تُقرأ كإجراء فني فحسب بل هي إعادة ترسيم لمراكز النفوذ؛ حيث يُتوقع أن تشمل الانسحابات مدناً استراتيجية في إقليم كردفان وأطراف دارفور وربما أحياء حيوية في العاصمة المثلثة.
إلا أن هذه “الانسحابات” تظل حمالة أوجه؛ فبالنسبة للحكومة في بورتسودان فإن أي انسحاب للمليشيات من منازل المواطنين والأعيان المدنية هو “شرط لازم” لاستعادة السيادة بينما تنظر إليه أطراف دولية كآلية لفتح ممرات آمنة لإغاثة ملايين السودانيين الذين يفتك بهم الجوع في “أكبر كارثة إنسانية عالمية”.
معضلة “المليشيات” ورؤية واشنطن الإدماج أم التفكيك؟
يبقى السؤال الأكثر تعقيداً في الرؤية الأمريكية لعام 2026 هو ماذا بعد صمت المدافع؟
تسير المقاربة الدولية في حقل ألغام؛ فهي من جهة تدرك ضرورة “احتكار الدولة للسلاح” ومن جهة أخرى تسعى لتجنب انفجار أمني جديد قد ينتج عن عملية “تسريح” غير مدروسة لمجموعات مسلحة متداخلة قبلياً وإقليمياً.
وتشير ملامح الرؤية الأمريكية إلى:
برنامج DDR مطور: يركز على نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج لكن بجدول زمني صارم تحت رقابة دولية.
تحجيم الطموح السياسي: السعي لتحويل القوى المسلحة غير النظامية إلى كيانات مدنية أو دمج عناصرها “فرادى” لا “كتل” داخل المؤسسة العسكرية الرسمية لضمان عدم وجود “جيوش موازية”.
المحاسبة كشرط للسلام: التلويح بعقوبات دولية وملاحقات قضائية لقادة الميدان المتورطين في انتهاكات كأداة ضغط لضمان الانصياع لخارطة الطريق.
بين التفاؤل الحذر وتحديات الواقع
رغم نبرة التفاؤل التي تسوقها واشنطن إلا أن “فجوة الثقة” تظل هي العائق الأكبر فالموقف الرسمي السوداني الذي عبر عنه قادة مجلس السيادة ما زال يتمسك بأن “السيادة تسبق الهدنة” محذراً من أن أي صيغة تمنح المليشيات “شرعية موازية” ستكون مجرد “وصفة لحرب مؤجلة”.
في المقابل يدرك المجتمع الدولي أن “الحل العسكري الصرف” بات مكلفاً للجميع وأن عام 2026 يجب أن يكون عام “التسويات الاضطرارية” إن نجاح الرؤية الأمريكية مرهون بقدرتها على موازنة طموحات الأطراف المحلية مع مخاوف القوى الإقليمية وضمان ألا يكون الانسحاب من المدن مجرد “استراحة محارب” بل خطوة أولى نحو “دولة المؤسسات”.
إن السودان اليوم أمام خيارين إما الانخراط في “سلام شجاع” تفرضه الضرورة الإنسانية والسياسية أو الانزلاق نحو “صراع منسي” قد ينتهي بتفتيت ما تبقى من نسيج الدولة فالرؤية الأمريكية وضعت الكرة في ملعب الفرقاء لكن يبقى “القرار السوداني” هو الضامن الوحيد لتحويل الورق إلى واقع يعيد النازحين واللاجئين إلى ديارهم والوطن إلى مساره.



