مشروع الجزيرة: حين تصطدم الأجندة الحزبية بوعي الأرض والإنسان

✍ حسن عبد الرضي الشيخ
ليست كل المعارك تُخاض بالبندقية، فبعضها أخطر وأدهى؛ تُدار بالقانون، وبالشعارات البراقة، وبالتسلل الناعم إلى مفاصل المجتمع. وما يجري اليوم في مشروع الجزيرة ليس حدثًا عابرًا، ولا نشاطًا تنظيميًا بريئًا، بل محاولة مكتملة الأركان لاختطاف مشروع قومي عملاق، ظل لعقود قلب الاقتصاد السوداني النابض، وملكًا خالصًا لأهله من المزارعين، لا لحزب ولا لحركة.
إن ظهور اسم سفيان الباشا في سياق الجزيرة لا يمكن فصله عن المشروع السياسي لحركة العدل والمساواة، بقيادة جبريل إبراهيم، ولا عن سعيها المحموم لتوسيع نفوذها خارج جغرافيتها التقليدية، نحو إقليم الوسط، حيث الثقل السكاني والاقتصادي والسياسي الحقيقي.
سفيان الباشا لا يلعب دورًا شخصيًا. والخطر هنا لا يكمن في شخص سفيان الباشا بقدر ما يكمن في الدور الوظيفي الذي يؤديه. فهو ليس مجرد ناشط أو قيادي محلي، بل رأس حربة لمخطط يستهدف السيطرة على البنية التنظيمية لمشروع الجزيرة، عبر بوابة شديدة الحساسية: مجلس تنظيمات أصحاب المهن الزراعية والحيوانية.
هذا المجلس، لمن يدرك خطورته، هو العقل الإداري غير المرئي للمشروع. من يسيطر عليه يملك مفاتيح
تسجيل الحواشات والمزارعين. والتحكم في التمثيل والانتخابات القاعدية. والتأثير في توزيع المياه والخدمات.
وإعادة تعريف من هو “المزارع” ومن هو “صاحب الحق”.
وهنا تحديدًا تتجلى خطورة المحاولة.
وإجابة على السؤال: لماذا الجزيرة تحديدًا؟
لأن الجزيرة ليست مجرد أرض زراعية؛ إنها
سلة غذاء السودان.
أكبر تجمع للمزارعين المنظمين تاريخيًا. منطقة يصعب إخضاعها بالخطاب العاطفي أو الجهوي. وهي فضاء اجتماعي تشكّل عبر قرن من العمل المشترك والوعي التراكمي.
فالسيطرة على الجزيرة تعني التحكم في الغذاء، وفي القرار، وفي السياسة. ومن لا يملك الجزيرة لا يملك السودان.
إن الأدوات الناعمة ذات النتائج المدمرة التي تعتمدها حركة العدل والمساواة، وفق هذا المخطط، تقوم على مزيج خطير من الأدوات، منها
القانون المُفصَّل على مقاس المصالح، عبر تعديلات في الحيازة والتمثيل. والاختراق التنظيمي عبر السيطرة على المجالس والروابط.
وأهمها الإغراء الاقتصادي، والوعد بجلب المضخات، والوعود بالدعم.
والخطاب الحقوقي المُسيَّس الذي يستخدم مفردات “التمثيل العادل” و“إنصاف المهمشين” كغطاء لإعادة هندسة ديمغرافية لا علاقة لها بالعدالة.
والمحصلة المتوقعة، إن نجح هذا المسار، فليست هناك تنمية ولا إصلاحًا، بل تفكيك للنسيج الاجتماعي المتماسك للجزيرة، وصراعات حادة على الأرض والمياه، وتحويل المشروع من فضاء إنتاجي إلى ساحة صراع سياسي، وتهديد مباشر للأمن الغذائي القومي.
لكن هيهات… فإن الجزيرة ليست لقمة سائغة. فمن يخططون لهذا المشروع يغفلون حقيقة جوهرية هي أن إنسان الجزيرة ليس ساذجًا، ولا حديث عهد بالسياسة، ولا قابلًا لأن يُقاد بالعطايا المؤقتة.
هذا مجتمع جرّب الدولة، والحزب، والعسكر. ويعرف الفرق بين الحق والمِنّة. ويميّز بين التنمية الحقيقية والاستغلال السياسي. ويدرك أن الأرض إن ضاعت، ضاع كل شيء.
ومعلوم أن وعي مواطن الجزيرة، المتراكم عبر أجيال من الشراكة الزراعية والتنظيم النقابي، هو السدّ المنيع أمام أي محاولة تلاعب أو اختطاف. وما يُراد تمريره بهدوء اليوم، سيُواجَه غدًا بالرفض القانوني، والاجتماعي، والأخلاقي. والمعركة الحقيقية ليست مع سفيان الباشا كفرد، ولا مع حركة بعينها، بل مع منطق تحويل المشاريع القومية إلى غنائم حزبية، واستخدام الدولة وأجهزتها لتصفية حسابات سياسية ضيقة.
مشروع الجزيرة أكبر من أن يُختزل في أجندة، وأعمق من أن يُدار بمنطق الغلبة، وأعرق من أن يُسلَّم لمن لا يرون فيه إلا ورقة ضغط.
الجزيرة ليست أرضًا بلا أصحاب، ولا تاريخًا بلا حراس. ومن يراهن على اختراقها دون موافقة أهلها، يراهن على الوهم.
فالوعي هنا متقد، والحكمة راسخة، والرشد الجمعي كفيل بإفشال أي مشروع لا يضع مصلحة الجزيرة وأهلها فوق كل اعتبار.
هيهات… مشروع الجزيرة لا يُستولى عليه، لأنه ببساطة ليس معروضًا للبيع.



