
ليس وقف إطلاق النار في السودان مجرّد إجراء عسكري، بل اختبار سياسي وأخلاقي حقيقي: هل المقصود إنهاء الحرب نهائيًا أم إدارتها؟ وهل تسعى مبادرة «الرباعية» إلى فتح طريق سلام عادل ومستدام، أم الاكتفاء بتسكين أزمة انفجرت نتيجة عقود طويلة من الهروب من الأسئلة المصيرية؟
لا يوجد سوداني واحد يمكن أن يعارض وقف القتال من حيث المبدأ. ففي بلدٍ تمزّق أهله بين النزوح واللجوء، وغابت فيه الدولة، وصار السلاح لغة الحياة اليومية، يبدو أي حديث عن إسكات المدافع خبرًا مفرحًا ومستحقًا للترحيب. لكن التجربة السودانية علّمت أهلها أن الحذر واجب، وأن أخطر ما يمكن فعله هو الخلط بين الرغبة الصادقة في السلام والقبول بأي صيغة تُعرض باسمه.
تصريحات مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي، عن وجود «نص جاهز ومقبول من الطرفين»، لم تكن إعلانًا عن اتفاق بقدر ما كانت إشارة عامة تفتقر إلى التفاصيل الحاسمة. فالنص، كما طُرح، يقوم على هدنة إنسانية مؤقتة، وانسحابات من «مناطق ساخنة»، دون تحديد دقيق لماهية هذه المناطق، أو طبيعة الانسحاب نفسه، أو آليات المراقبة والتنفيذ. وهذه العمومية ليست تفصيلًا ثانويًا، بل ثغرة جوهرية في أي مسار يُفترض أن يوقف حربًا بهذا التعقيد.
الأخطر من ذلك أن مقاربة الرباعية، كما ظهرت حتى الآن، تتعامل مع الحرب بوصفها أزمة إنسانية في المقام الأول، لا أزمة بنيوية في تأسيس الدولة السودانية، وسؤال السلطة والسلاح. فلا حديث واضح عن جمع السلاح، ولا عن تفكيك المليشيات، ولا عن إنهاء اقتصاد الحرب الذي بات مصلحة قائمة بذاتها. كيف يمكن ضمان وصول الإغاثة في ظل انتشار السلاح ؟ ومن يحمي المدنيين حين تكون البنادق في أيدي جماعات لا تخضع لأي مساءلة؟ تجاهل هذه الأسئلة لا يجعلها تختفي، بل يتركها قنابل موقوتة تحت أي هدنة.
في هذا الفراغ، وجد الإسلاميون الذين لفظتهم الثورة، ومعهم حلفاؤهم، في الحرب فرصة للعودة من بوابة الخوف. احتموا بالسلاح، واختبأوا خلف خطاب «المعركة الوجودية»، وأعادوا إنتاج سرديتهم القديمة: إما نحن أو الفوضى. وأي هدنة لا تتصدى بوضوح لهذا التحالف غير المعلن بين العسكر والإسلاميين وحلفائهم، لن تكون خطوة نحو التحول الديمقراطي الحقيقي، بل إعادة تدوير للاستبداد في ثوب جديد.
في هذا السياق، تبدو وعود «العملية السياسية» والانتقال المدني أقرب إلى الشعارات منها إلى خطة واقعية. فالمشكلة في السودان لم تكن يومًا في غياب النصوص، بل في غياب الإجابة عن سؤال السلطة: من يحكم؟ وبأي شرعية؟ وتحت أي رقابة؟ ومن هي القوة المدنية القادرة فعلًا على قيادة هذا التحول؟في ظل هذا التشتت والانقسام البنيوي لا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية دون إعادة تعريف العلاقة بين العسكر والسياسة، مقدمتها اولا إبعاد العسكر نهائيًا عن المشهد السياسي، وبالتالي كسر الحلقة التي جعلت الانقلاب طريقًا مألوفًا للحكم.
الحرب الحالية وفّرت للعسكر، ولحلفائهم من بقايا النظام الإسلامي، فرصة ذهبية لإعادة إنتاج أنفسهم. فالاحتماء بالحرب، وتقديمها بوصفها معركة وجودية، سمح بإعادة تدوير خطاب قديم طالما استُخدم لتبرير الاستبداد: الأمن أولًا، وشيطنة المدنية والأحزاب لاحقًا. وأي هدنة لا تواجه هذا الواقع، ولا تضع حدًا لاستخدام الحرب كغطاء للسلطة، لن تقود إلى تحول ديمقراطي، بل ستمنح الاستبداد وقتًا إضافيًا.
مشكلة الرباعية أنها تقترب من النتائج وتتجنب الأسباب. تسعى إلى وقف النار دون المساعدة والضغط علي الأطراف المتحاربة علي تفكيك البنية التي جعلت الحرب ممكنة ومربحة. تؤجل الملفات الثقيلة— مثل بناء عقد اجتماعي جديد، والتحول الديمقراطي، والدستور، والهوية، والفيدرالية، والعدالة الانتقالية—وكأن تجاهلها سيجعلها أقل خطورة، بينما هي في الحقيقة جذور الصراع المتكرّر. السودان لا يعاني من نقص المبادرات، بل من فائض التسويات المؤقتة التي تؤجل الانفجار ولا تمنعه.
الاختبار الحقيقي أمام الرباعية ليس في توقيع نص، ولا في إعلان هدنة، بل في الإجابة عن سؤال بسيط وصادم: هل تريد إنهاء الحرب فعلًا، أم فقط منعها من الإحراج الدولي؟
السودان لا يحتاج إلى صمت مؤقت للبنادق، بل إلى كسر المنظومة التي جعلت صوتها أعلى من صوت السياسة. وما دون ذلك، مهما بدا أنيقًا على الورق، سيبقى هدنة في حرب لم تُحسم بعد.
في النهاية، ليست المعضلة في نص الرباعية، ولا في غموض بنودها، ولا حتى في احتمال فشلها؛ المعضلة الحقيقية أن السودان يُدار وكأنه ملف طوارئ إنساني، لا وطن مكسور يحتاج إلى إعادة تأسيس. كل هدنة لا تُسائل من سرق الدولة، ومن عسكر السياسة، ومن سلّح القبيلة، ومن حوّل الدين إلى أداة حكم، هي هدنة تخدم الجناة لا الضحايا. وكل مسار لا يواجه تحالف العسكر والإسلاميين وحلفائهم، ولا ينزع عنهم شرعية الاحتماء بالحرب، ليس طريقًا نحو الديمقراطية الحقيقية ، بل التفافًا عليها.
السودان لا يموت لأنه عاجز عن السلام، بل لأنه يُمنع منه. يُمنع حين تُختزل أزمته في وقف نار مؤقت، ويُترك جوهرها—السلطة والسلاح والهوية—خارج النقاش. ويُمنع حين يُطلب من شعبٍ ثار على الاستبداد أن يقبل بعودته باسم الواقعية، وأن يختار بين حرب مفتوحة أو سلام بلا عدالة.
الصدمة الحقيقية ليست في استمرار الحرب، بل في أن المجتمع الدولي لا يزال يتعامل مع السودان كبلد يمكن ترقيعه بالهُدن، لا إنقاذه بالحلول الجذرية. فالذي يريده السودانيين بناء دولة علي اسس جديده وسلام عادل يخاطب جذور الأزمة، ويعيد الدولة إلى أهلها، ويكسر الحلقة الجهنمية للانقلابات العسكرية والحروب نهائيا بلا رجعه ، وتحول ديمقراطي حقيقي ينعم اهله بالحرية والكرامة اولا .
والتاريخ، كما علّمنا السودان نفسه، لا يرحم من يختار التأجيل على حساب الحقيقة.



