
أعادت الدعوة الأخيرة التي أطلقتها الكتلة الديمقراطية الموالية لنظام الحكم القائم في السودان لتكوين برلمان أو مجلس تشريعي قومي رغم فقدان أكثر قاعدتها الي دوائرهم الجغرافية وحواضنهم السياسية والاجتماعية وتهيهم في الارض،
فتح سؤال جوهري حول معنى الشرعية من يملكها ومعايير الحكم الديمقراطي والنزاهة في بلد يرزح تحت الحرب والانقسام والنزوح واللجوء الواسع.
ورغم أن قيام برلمان منتخب يُعد استحقاقاً ديمقراطياً أصيلاً، فإن طرحه في هذا التوقيت، ومن قبل قوى محدودة موالية لسلطة الأمر الواقع،
وفي ظل غياب الأمن والحريات، يكشف أن الهدف ليس استكمال التحول الديمقراطي والحرية والعدالة والتساوي، بل منح شرعية شكلية لسلطة الأمر الواقع. فالديمقراطية لا تُختزل في إنشاء مؤسسات مفروض على مناطق وتحرم منها اخري، بل في الكيفية التي تُنشأ بها، ومدى تعبيرها عن الإرادة الحرة للشعب.
إن أي عملية انتخابية تفتقر إلى النزاهة والشفافية، ولا تضمن مشاركة النازحين واللاجئين، ولا تقوم على دوائر جغرافية عادلة تستند إلى إحصاءات سكانية دقيقة، هي عملية ناقصة ومختلة، تُعمّق الإحساس الغبن وتوسع الفجوة، خصوصاً لدى المجتمعات المتأثرة بالحرب.
الحقوق الديمقراطية للشعب السوداني غير قابلة للتجزئة، وحق المشاركة في الشأن العام لا يسقط بالحرب ولا يُصادر بالواقع المفروض. وأي برلمان يُشكَّل بمعزل عن هذه الحقوق، لن يكون مؤسسة جامعة، بل أداة جديدة لإدامة الأزمة وتمزيق ما تبقى من النسيج الوطني.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مؤسسات تُفصَّل على مقاس السلطة، بل إلى مسار سياسي شامل، يضع العدالة الانتخابية في قلب العملية، ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية، يكون فيها البرلمان تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعب، لا مجرد واجهة سياسية.



