مقالات وآراء

السودان بين مطرقة “بورتسودان” وسندان “الخرطوم” ومأساة “دارفور”

في اللحظة التاريخية الراهنة لم يعد السودان مجرد خارطة جغرافية مألوفة بل استحال إلى “مسرح تراجيدي” مفتوح تتوزع فصوله بين مدنٍ كانت بالأمس شريان حياة فأصبحت اليوم شواهد على تمزق الهوية السياسية والاجتماعية من صخب “الخرطوم” الذي خنقته أدخنة البارود إلى “بورتسودان” التي تحولت لملاذٍ اضطراري وعاصمةٍ للضرورة وصولاً إلى “نيالا” و”الضعين” حيث تكتوي الروح الدارفورية بنيران الاستقطاب؛ نحن أمام إعادة صياغة قسرية لكيان الدولة السودانية.
الخرطوم حينما تفقد “المركزية” روحها …
تظل الخرطوم هي العقدة والحل فالحرب التي اندلعت في قلب “العاصمة- الخرطوم” السودانية لم تكن مجرد صراع على مقار سيادية بل كانت انفجاراً لتناقضات الدولة المركزية التي تراكمت لعقود.
اليوم تبدو الخرطوم في حالة “موت سريري” سياسي حيث تحولت أحياؤها العريقة من مراكز للإشعاع المعرفي والتجاري إلى ساحات حرب عصابات مما أدى إلى تجريف النخبة وتشتيت الطبقة الوسطى التي كانت تشكل صمام الأمان للوحدة الوطنية.
سقوط الخرطوم في فخ الاقتتال الحضري يعني ببساطة أن “الدولة القديمة” قد لفظت أنفاسها بانتظار ولادة قيصرية لجمهورية جديدة لا تزال ملامحها غارقة في الضباب.
بورتسودان “عاصمة الانتظار” وهواجس الانفصال …
على الضفة الأخرى تبرز بورتسودان كـ “رئة وحيدة” يتنفس من خلالها ما تبقى من هيكل الدولة لكن هذا التحول من مدينة ميناء إلى “مركز إدارة” يحمل في طياته دلالات سياسية عميقة ومقلقة فبينما تحاول المؤسسة الرسمية بسط سيطرتها من الساحل يخشى المراقبون من تحول هذا “التموضع الجغرافي” إلى تكريس لواقع التقسيم.
بورتسودان اليوم ليست مجرد مقر للحكومة بل هي رمز لمحاولة الحفاظ على “سيادة الدولة” وسط بحر من الاضطرابات وهي في الوقت ذاته نقطة الوصل مع المجتمع الدولي الذي ينظر بريبة إلى صراع الإرادات فوق التراب السوداني.
نيالا والضعين الجرح الغربي النازف …
وإذا اتجهنا غرباً حيث “نيالا” (البحير) و”الضعين” نجد أنفسنا أمام مرآة تعكس أشرس تجليات الصراع.
في نيالا لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية بل كانت زلزالاً ضرب البنية الاجتماعية التعددية.
إن سقوط الحواضر الكبرى في دارفور في قبضة النزاع المسلح يعيد إنتاج مآسي الماضي بروح انتقامية أشد فتكاً.
أما “الضعين” فتمثل في الجغرافيا السياسية الحالية نقطة ارتكاز حساسة؛ حيث يتداخل فيها البعد القبلي بالبعد العسكري مما يجعل أي انفجار فيها بمثابة رصاصة الرحمة على “السلم المجتمعي” في الإقليم.
إن الفاجعة في الغرب تكمن في تحول المدن إلى “كانتونات” مغلقة تفوح منها رائحة الاصطفاف الإثني الذي يهدد بتحويل الحرب من صراع على السلطة إلى حرب وجودية بين المكونات.
تحدي “الكتلة الحرجة” ومسؤولية النجاة …
إن الربط بين بورتسودان والخرطوم ونيالا والضعين يكشف عن “تشظٍ بنيوي” في جسد الدولة فكل مدينة من هذه المدن أصبحت تمثل “جزيرة معزولة” سياسياً واجتماعياً وهو ما يضع النخب السودانية أمام حقيقة مرة.
إن استعادة السودان لا تمر عبر الحسم العسكري في مدينة واحدة بل عبر “عقد اجتماعي جديد” ينهي تهميش الهوامش ويحرر المركز من نزعة التسلط”إن مأساة المدن السودانية اليوم ليست في سقوط الجدران بل في سقوط “فكرة السودان الموحد” من مخيلة أبنائها تحت وطأة الرصاص.”
ما وراء البارود …
إن المسافة بين “بحر” بورتسودان و”رمال” الضعين، وبين “نيل” الخرطوم و”جبال” نيالا هي مسافة يجب أن تُقطع بالحوار لا بالمدافع.
إن استمرار هذا التمزق الجغرافي ينذر بتحول السودان إلى “دولة فاشلة” بامتياز حيث تتعدد السلطات وتغيب الدولة.
إن الأولوية الآن هي لمنع “التحلل الشامل” وحماية ما تبقى من نسيج يربط هذه الحواضر المتباعدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..