مقالات وآراء

بداية النهاية: حين ينكشف عُريّ السلطة وتتهاوى أساطير “الانتصار”

حسن عبد الرضي

لم تعد المسألة خلافًا سياسيًا ولا صراعًا على تأويل الوقائع، بل انكشافًا كاملًا لعُريّ سلطةٍ قامت على الانقلاب، ثم حاولت أن تتدثّر بخطاب “الوطنية” و“الانتصارات”، بينما الوطن نفسه يُسحق تحت أقدام الحرب، والناس يُطحنون بين نيران الجبهات وخيبات الواقع. سلطة الأمر الواقع بقيادة عبد الفتاح البرهان، ومعها الحكومة المسمّاة زورًا “حكومة الأمل” برئاسة كامل إدريس، لم تُنتِج إلا مزيدًا من الفشل والتخبّط والفضائح التي لم يعد بالإمكان دفنها تحت ركام الشعارات.
يتحدّثون عن “الانتصارات”… أيُّ انتصارات هذه، ونحو نصف البلاد رهينة للدمار؟
وأيُّ وطنية هذه، والموارد تُهرَّب، والسلاح يُباع “على عينك يا تاجر”، والفساد ينهش ما تبقّى من جسد الدولة؟
الفضائح التي تتفجّر في بورتسودان — عاصمة الأمر الواقع — وفي الخرطوم التي أنهكتها الفواجع، لم تعد همسًا في الغرف المغلقة، بل صارت حديث الناس: رشاوى، سرقات، استغلال نفوذ، تهريب موارد، وتجارة موت باسم “الدفاع عن الوطن”. ومع ذلك يصرّ إعلام التطبيل على ترديد أسطوانة “النصر”، كأنها تعويذة سحرية قادرة على محو الحقائق من وجدان الناس.
ثم تتوالى الشقوق في جدار السلطة:
حلّ لجنة إبراهيم جابر المكلّفة بتهيئة الخرطوم للعودة لم يكن خطوةً تنظيمية بقدر ما كان اعترافًا ضمنيًا بالعجز عن تحويل الوهم إلى واقع. كما أن اتهام إبراهيم جابر لمجلس الوزراء بتبديد الدولارات في استئجار مبانٍ حكومية يكشف حجم الفوضى داخل مؤسسات الحكم.
واستقالة عضو مجلس السيادة سلمى عبد الجبار المبارك ليست حدثًا إداريًا عابرًا، بل مؤشرًا على تآكل الشرعية من الداخل.
العداوة العلنية بين المصباح طلحة، قائد لواء البراء بن مالك، وأبو عاقلة كيكل، قائد درع السودان، تكشف أن معسكر السلاح نفسه يتآكله الصراع والتنافس، لا “وحدة الصف” التي يصدّعون بها رؤوس الناس.
تمرّد قبيلة الكواهلة في الجزيرة على سلطة البرهان وعدم اعترافها بالمجلس التشريعي المقترح لغسيل اوساخ السلطة، وتمرّد الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل على فكرة البرلمان المقترح، يضيفان فصلًا جديدًا في حكاية التفكّك العام: لا حاضنة سياسية حقيقية، ولا إجماع اجتماعي، ولا أفق دولة. ويُضاف إلى ذلك فشل حكومة الانقلاب في استعادة موقعها الشرعي داخل الاتحاد الإفريقي، مقابل نجاح القوى المدنية في تحقيق اختراقات سياسية مؤثّرة.
الأكثر إثارة للدهشة ليس فشل هذه السلطة — فالفشل صار هو القاعدة — بل جرأة من لا يزالون يلوكـون فرية “الانتصارات” بعمى وبلاهة ظاهرة. أيُّ انتصار هذا، والخرطوم خراب، والقرى تُحرَق، والنازحون بالملايين، وطالِبو اللجوء يعانون، والاقتصاد يلفظ أنفاسه الأخيرة؟
وأيُّ نصر يُباركه السذّج في أجهزة الإعلام، بينما الواقع يصرخ بالهزيمة الأخلاقية قبل العسكرية؟
إن ما نشهده اليوم ليس مجرّد أزمة إدارة حرب، بل بداية النهاية لمنظومة حكم قامت على القوّة العارية، ثم ادّعت تمثيل الوطن. ومع هذا الانكشاف، تتداعى أيضًا الأساطير القديمة التي حاولت تسويغ القهر باسم “الشعب والوطنية” أو أكذوبة “جيش واحد.. شعب واحد”.
يبدو أن نبوءات الأستاذ محمود محمد طه عن فتنة الإخوان المسلمين فيما بينهم، ثم اقتلاعهم من أرض السودان اقتلاعًا، بدأت تظهر للعيان. فها هي الأقزام تُقتلع اليوم من أرض الواقع أمام امتحان التاريخ القاسي: لا قداسة فوق معاناة الناس، ولا الأكاذيب تصمد أمام فشل الدولة وانهيار الأخلاق العامة.
نعم، بداية النهاية تكاد تطلّ علينا الآن.
وما تبقّى ليس سوى محاولة يائسة لتجميل الهزيمة ببلاغة زائفة. لكن الشعوب قد تُخدع مرة، لا إلى الأبد.
حين ينكشف الزيف، لا تعود الشعارات تُنقذ سلطة، ولا الأكاذيب تُقيم دولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..