تفكيك السودان ليس مؤامرة خارجية… بل مشروع هزيمة بأيدينا

القوى المدنية والأحزاب السودانية… أمام امتحان الضمير والتاريخ
القوى المدنية والأحزاب السودانية تقف اليوم أمام لحظة لا تشبه ما قبلها.
أمام التاريخ.
أمام ضميرها.
وأمام شعب أنهكته الحروب والانقسامات.
لم يعد السؤال: من يحكم؟
بل: هل ستبقى الدولة أصلاً؟
هذه لحظة تتطلب اعترافًا صريحًا بفشل الماضي،
وشجاعة في تغيير الأدوات،
وسرعة في الفعل قبل أن نصل إلى نقطة اللاعودة.
فالبلاد لا تنهار فقط بسبب الطغيان،
بل أيضاً بسبب عجز البدائل.
السودان… حين نصنع تفككنا بأيدينا
كثيرون يلوّحون بفكرة “المخطط الدولي لتقسيم السودان”.
لكن الحقيقة المؤلمة أن أخطر ما يهدد البلاد ليس خرائط الخارج،
بل فشل الداخل.
عندما تفككت يوغوسلافيا لم يبدأ الأمر بقرار أممي،
بل بخطاب كراهية غذّته النخب.
وعندما انهار الاتحاد السوفيتي لم يسقط بضربة واحدة،
بل تآكل من داخله حتى فقد شرعيته.
السودان يسير في مسار مشابه،
لكن بأدوات محلية خالصة.
تعميق القبلنة كسلاح سياسي
طوال سنوات الحكم، جرى تحويل القبيلة من مكوّن اجتماعي طبيعي
إلى أداة سياسية.
الامتياز مقابل الولاء
التخويف من الآخر
إعادة تعريف الدولة كغنيمة
بهذا الأسلوب، لم تُبنَ هوية وطنية جامعة،
بل جرى تفكيك المجتمع إلى كتل يسهل تحريكها.
القبيلة حين تتحول إلى مشروع سياسي مسلح،
تكون بداية نهاية الدولة.
العنصرية كآلية إدارة
خطاب التفوق الضمني،
والتمييز غير المعلن بين مركز وهامش،
أنتج احتقانًا متراكمًا.
ومع انهيار الأمن، تحررت هذه الشحنات دفعة واحدة.
الخطر ليس في التنوع،
بل في إدارة التنوع بلا عدالة.
الإعلام الجديد… مسرّع التفكك
لم تعد التعبئة تحتاج إلى إذاعة رسمية.
وسائل التواصل أصبحت مصنعًا سريعًا للقبيلة السياسية.
حادثة فردية تتحول إلى قضية هوية
مظالم قديمة يُعاد ضخّها بلا سياق
بث مباشر يحوّل الغضب إلى تحريض
في تجارب مثل يوغوسلافيا لعب الإعلام دورًا تعبويًا خطيرًا.
اليوم نعيد المشهد بأدوات رقمية أسرع وأوسع انتشارًا.
الإعلام الجديد لا يخلق الانقسام من العدم،
لكنه يحوله إلى نار مفتوحة.
صراع المركز مع نفسه
التفكك لا يحدث فقط حين تتمرد الأطراف،
بل حين يبدأ المركز في التآكل.
صراعات داخل المنظومة،
تسريبات،
ملفات فساد،
تصفية حسابات علنية.
حين تفقد النخبة قدرتها على التماسك،
تفقد الدولة قدرتها على البقاء.
أخطر من التقسيم الرسمي
السؤال ليس: هل سيصبح السودان ست دول؟
السؤال الأخطر:
هل أصبح فعليًا مجموعة مناطق نفوذ بلا دولة حقيقية؟
التفكك لا يبدأ بإعلان انفصال،
بل يبدأ حين:
يسبق الانتماء القبلي الانتماء الوطني
يصبح السلاح لغة السياسة
تتحول العدالة إلى شأن أهلي لا مؤسسي
انفصال جنوب السودان عام 2011 كان نتيجة مسار طويل.
لكن ما يحدث الآن أخطر، لأنه تفكك بلا اتفاق،
وبلا نهاية واضحة.
نقطة اللاعودة
نقطة اللاعودة ليست رسم حدود جديدة،
بل لحظة يصبح فيها خطاب الكراهية أمرًا طبيعيًا،
والقتل على الهوية مبررًا،
والدولة فكرة بلا معنى.
إذا وصلنا هناك،
فلن نحتاج إلى مخطط خارجي،
سنكون قد أنجزنا المهمة بأنفسنا.
النداء الأخير
القوى المدنية اليوم أمام خيارين:
إما مراجعة حقيقية،
وتوحيد جاد،
وبرنامج وطني يتجاوز عقلية الغلبة،
أو ترك الفراغ يتمدد،
فتملأه القبلنة،
والعنصرية،
واقتصاد الحرب.
السودان لا يُقسَّم بقرار دولي.
السودان يُفكَّك حين تعجز نخبته عن بناء دولة تتسع للجميع.
المعركة ليست على السلطة فقط،
بل على بقاء الوطن نفسه.




مما لا شك فيه ان العوامل الخارجية مهما كانت قوتها وعنفوانها فانها لا تنجح فى تفكيك الدولة اذا لم تتفاعل مع العوامل الداخلية ولعل اوضح مثال على ذلك هو جزيرة كوبا والتى تعرضت للحصار من جارتها العطمى لما يقارب الثمانين عاما ولكنها لازالت صامدة بينما انخارت القوة العظمى التى ظلت تساندها وتدرأ عنها الذراع الامريكية القوية.. الدول تنهار عندما تفتقر الى الزعامات التاريخية التى تمتلك استشرافا للمستقبل ولها القدرة على استيعاب اختلافاتها وصهرها فى بوتقة وطنية عبر مشروع وطنى يحترم التنوع والاختلاف وقادر على ادارته بشكل بناء.. ان السودان منذ اللحظة الاولى لاستقلاله قد اختطفته مجموعة لم تر فيه الا هوية واحدة فرضت على الجميع رغم ان التنوع والاختلاف دون التنازع امر اقر به الشرع ولم يعمل على طمسه فاقر ب ( جعلناكم قبائل وشعوبا لتعارفوا)… عندما طالب الشيخ على عبد الرحمن بمعادرة الذين يرون فى السودان بلدا غير عربى لم يدر بخلده بأنه كان يدق المسمار الاخير فى نعش السودان المسجى… ولن ننسى ان الحركة الاسلاموية كان لها القدح المعلى فى تفتيت السودان بسعيها الدؤوب فى طمس الهوية السودانية واسبغت على حرب الجنوب هالة دينية قدمت جراءها الغزلان انفسها طعاما لجحافل المجاهدين وسعت القردة الى تفجير الالغام من خطوط سير قوافل المجاهدين … صدقت اخى الكاتب لم يكن تفكيك السودان نتاج مؤامرة خارجرية بل بفعل ابنائه منذ تباشير ساعات الاستقلال الأولى….