مقالات وآراء

الاصطفاف او سقوط الفكرة

ماجد عرمان

يبدو بديهيا ان التاريخ السوداني، بما راكمه من حروب اهلية وانقلابات عسكرية وانتكاسات سياسية متتالية، كان ينبغي ان يفضي الى وعي تاريخي اعمق. ففي المفهوم العام يفترض ان ينشا الوعي من رحم الالم، بوصفه لحظة تكشف التناقض بين الواقع القائم وما ينبغي ان يكون. غير ان التجربة السودانية، بما حملته من صراعات ممتدة وعنف متكرر، تضع هذا الافتراض موضع مساءلة نقدية. فالالم الذي امتد عقودا لم يتحول تلقائيا الى معرفة سياسية عامة، ولم يفض بالضرورة الى وعي اعمق ببنية المازق. لم يكن النقص في حجم التجربة، بل في القدرة على تحويلها الى فهم بنيوي لطبيعة الدولة والسلطة، وفي غياب الوسائط التي تنقل المعاناة من مستوى الانفعال الى مستوى الفهم.
تشكلت الدولة السودانية الحديثة في ظل الحكم الثنائي البريطاني المصري بوصفها جهازا اداريا وامنيا يهدف الى تامين مصالح الادارة الاستعمارية، لا بوصفها تعبيرا عن عقد سياسي بين مكونات المجتمع. كان القانون اداة في يد السلطة، لا قاعدة عامة يخضع لها الجميع، وكانت السيادة الفعلية للادارة لا للشعب. منذ نشاتها تاسست الدولة على مركز يحتكر القوة ويدير الاطراف من موقع فوقي. وعندما تحقق الاستقلال عام 1956، لم يعد تاسيس الدولة على قاعدة تعاقدية جديدة، بل ورثت النخبة الوطنية البنية ذاتها. ظل الجهاز المركزي قويا، وبقي الجيش المؤسسة الاكثر تنظيما وتماسكا، بينما استمرت الاطراف في موقع التهميش. لم ينتقل النظام من منطق الادارة الى منطق المشاركة السياسية المتكافئة، بل استمر احتكار القرار داخل المركز، وتكرست تدريجيا شرعية تقوم على القدرة على السيطرة اكثر من قيامها على قاعدة قانونية مستقرة.
لم تكن الانقلابات المتعاقبة منذ الاستقلال 1958، 1969، 1989، وصولا الى 2021، انحرافات طارئة عن مسار ديمقراطي لم يستقر بعد، بل تعبيرا عن قابلية بنيوية كامنة في الدولة ذاتها. في كل مرة يعلق الدستور، وتحل المؤسسات، وتبرر الاجراءات باسم انقاذ الدولة او حماية الوحدة الوطنية. غير ان النمط يتكرر، وتستمد الشرعية من القوة. من ينجح في فرض الامر الواقع يصبح هو السلطة الشرعية، لا لانه خضع لقاعدة عامة، بل لانه احكم السيطرة على ادوات العنف ومفاصل الدولة. ويختلط الحق بالقوة، ويصير ميزان السيطرة معيار الاعتراف. في الحرب الراهنة ينقسم المجتمع افقيا، وتدعو الة الاعلام الى الاصطفاف، وتخون من لا يختار موقعه مع الجهة التي تدعي الشرعية. وتصبح الدعوة الى وقف الحرب موقفا مشبوها، ويختزل المجال السياسي في ثنائية مغلقة، اما الانحياز الى الجيش بوصفه الجهة الشرعية او الاقل سوءا، او الاصطفاف مع الدعم السريع بدعوى التخلص من خصم اخر، رغم أن سجل العنف والجرائم لدي الطرفين حاضر في الذاكرة القريبة والبعيدة. غير ان هذا الاصطفاف، مهما اختلفت مبرراته، لا يخرج عن منطق القوة الذي ينتجه الصراع. انه يعالج العنف بالاحتماء باحد مراكزه، ويواجه اختلال الدولة بالانخراط في تنازعها الداخلي. لا يطرح السؤال حول كيفية اخضاع الجميع للمساءلة ضمن اطار قانوني عام، بل حول من يملك القدرة على الحسم. وحين يختزل المجال السياسي الى اختيار بين قوى مسلحة، يفقد المجتمع موقعه كفاعل تاريخي مستقل، ويتحول الى جمهور يوزع شرعية مؤقتة على احد اطراف العنف.
تعلق العدالة في كل منعطف باسم الضرورة. و بأن المرحلة دقيقة، وان الاولوية للحسم او للاستقرار، وان المحاسبة يمكن تاجيلها الى ما بعد استعادة النظام. غير ان هذا التاجيل المتكرر ليس اجراء تقنيا، بل يعكس خللا في العلاقة بين المجتمع وفكرة الدولة. في فلسفة الحق عند هيغل لا تختزل الدولة في جهاز قهر، بل هي تجسد الفكرة الاخلاقية، اي نظام قانوني عقلاني تحترم فيه الحرية بوصفها مبدا عاما. والشرعية لا تستمد من القدرة على فرض النظام، بل من الخضوع للقانون ومن القابلية للمساءلة.حين تعلق المحاسبة تجاه القوى المسلحة بحجة الظرف الاستثنائي، بينما تستخدم كسلاح سياسي في مواجهة طرف مدني، تفقد العدالة طابعها الكلي وتتحول الى اداة انتقائية في موازين الصراع. و يفقد القانون طابعه العام، ويصير امتدادا لميزان القوة، وتتجزا الذاكرة بحسب مواقع الاصطفاف.
ان منطق الاقل سوءا الذي يتكرر في كل منعطف دموي لا يعبر عن تجاوز للتناقض، بل عن ادارته داخل حدوده الضيقة. تعلق العدالة باسم الاستقرار، وغياب العدالة يولد عنفا جديدا، ثم يستخدم هذا العنف مبررا لتعليق العدالة مرة اخرى. لا يعالج السبب البنيوي للعنف، بل يعاد توزيعه. الالم في حالة الاصطفاف لا يتحول الى معرفة، بل الى طاقة تعبئة. وبدل ان يكون لحظة كشف لبنية الخلل، يصير اداة لاعادة تثبيت البنى ذاتها. تحفظ ذاكرة الضحايا حين يخدم استدعاؤها خطاب الاصطفاف، ويدار الماضي بوصفه رصيدا في معركة الحاضر، لا مادة لنقد شامل يؤسس لاعتراف متبادل. وفي غياب افق قانوني عام، يتعذر تشكل مجتمع سياسي يتجاوز منطق الغلبة.
لا يكمن المازق في وجود التناقض ذاته، بل في العجز عن تحويله الى لحظة تقدم في وعي الحرية. فالتاريخ ليس تراكم وقائع فحسب، بل مسار تحقق الفكرة في الواقع. وحين يدار الصراع بوصفه صراع قوى مجرد، لا بوصفه اختبارا لقدرة المجتمع على تجسيد القانون، يتراجع هذا المسار. العنف، اذا دخل السياسة بوصفه اداة مشروعة، يعيد تشكيلها على صورته، ويجعل منطق السلاح اعلى من منطق الحق.
لا يمر الطريق الاخلاقي عبر اعادة توزيع العنف بين الاطراف، بل عبر نزعه من مركز الفعل السياسي، وبناء مؤسسات تخضع الجميع لقاعدة عامة لا استثناء فيها. العدالة ليست تفصيلا يمكن تاجيله الى ما بعد الحسم، بل هي الشرط الذي يمنح اي حسم معناه. ومن دونها يبقى كل انتصار مؤقتا، لان ما لم يحاسب يظل قابلا للتكرار.
يبقى السؤال مفتوحا امام التجربة السودانية، هل سيستثمر الالم بوصفه لحظة نفي تقود الى وعي اعمق ببنية الدولة والسلطة، ام سيظل يدار كوقود في دورة صراع لا تنتهي؟ فالالم في ذاته لا يمنح المعرفة، لكنه يضع المجتمع امام امكانها. واذا لم يرفع الى مستوى الفكرة، سيظل التاريخ يعيد انتاج انقسامه، وتبقى العدالة مؤجلة باسم ضرورة لا تنتهي.

تعليق واحد

  1. الشعب السوداني دروايش ازمنة الظلام في عصر النور الديجيتال هو استثناء في كل ما ذكر .. من غيرهم تحت الشمس زرقا في جدال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..