مقالات وآراء

أسلحة أكثر فتك

عوض الكريم فضل المولى جادالله الشيخ

لم تكن حرب أبريل مواجهة عسكرية تقليدية بين جيشٍ وعدوٍ ظاهر، ولا صراعًا تُحسم فصوله بميزان العتاد والعدة، ولا حتى حربًا تدور رحاها حول أسلحة متطورة يتدفق بها داعمو الأطراف. لقد كانت حربًا من نوعٍ مختلف، كشفت عن ترسانةٍ خفية أشد فتكًا من الرصاص، وأعمق أثرًا من المدافع على الوطن والمواطن أكثر من أطراف النزاع.
كان ميدانها الحقيقي هو الساحة الوطنية، وأجساد المواطنين، وأعراضهم، وممتلكاتهم، وإرثهم، وتاريخهم، وكرامتهم. لم تكتفِ البنادق بصوتها، بل ما إن خفَّ أزيزها في بعض الجبهات حتى علا أسلحة صرير الأقلام في اتجاهاتٍ هوجاء مضلِّلة، وارتفعت أسلحة أصواتٌ إعلامية تائهة في مغالطاتٍ فجة، وزرائع مخجلة، ومنطقٍ يخجل منه القلم ويحترق به الورق.
لقد دخل الإعلام المرئي وبعض المنصات في سباقٍ محموم نحو صناعة سردياتٍ لا تصمد أمام الحقيقة، حين تصدَّر المشهد “خبراء استراتيجيون” مؤدلجون، وناطقون بأسماء تشكيلاتٍ عسكرية، أو متحدثون بغير لسان أحزاب هم بل المصالح الشخصية الضيقة، وقد أغرتهم مكاسب الحرب وتجارة الأزمات ومواقع النفوذ التي لم يكونوا ليبلغوها لولا أتون القتال. فصار بيع الوهم، وتضخيم الانتصارات، وتسويق الأكاذيب والسرديات الغير منضبطة، جزءًا من معركة لا تقل ضراوة عن المعارك الميدانية.
غير أن السلاح الأخطر كان سلاح العنصرية الذي يقضي على التنوع كنز السودان المفقود لدي أعظم واكبر دول العالم .
السلاح الذي لم يُطلق رصاصة، لكنه أكثر فتكاً في تمزَّيق النسيج وراس المال الاجتماعي، وأعاد إنتاج خطاب الكراهية و الفين، وشقَّ الصف الوطني إلى هوياتٍ متناحرة. لقد فتك بالوحدة الوطنية، وأيقظ نوازع الجهوية والقبلية والتميز الديني والثراء الثقافي، حتى صار الانتماء عبئًا، والاختلاف لعنة.
والأدهى من ذلك أن بعض الساسة لجأوا إلى خطاب الاستقواء على الشعب، كما ورد في تصريحاتٍ منسوبة إلى مني أركو مناوي ( منو ارجل مننا؟؟ ) وسبقتها مواقف لقيادات في الحركة الإسلامية السودانية والمؤتمر الوطني (انس عمر) ، حين استُخدمت عباراتٌ تحمل روح التحدي والتفوق لا روح المسؤولية السياسية الوطنية. مثل هذه الخطابات لا تؤسس لدولة، بل تُعمِّق القطيعة بين السلطة والمجتمع، وتُغذِّي الإحساس بالإقصاء والمهانة.
وفي خضم ذلك، استُخدم سلاح جسد المرأة وشرفها وقضايا الأسر كسلاحٍ تعبوي، (الاقتصاد وتجارة النساء ) تُستدرّ به العواطف، وتُستنهض به الأحقاد، ويُغذّى به الغبن. فصارت المآسي مادةً للاستنفار، والآلام وقودًا لمعارك إضافية في مناطق لم تكن يومًا ضمن حسابات المتحاربين.
ولم يسلم الدين كسلاح من هذا التوظيف القاسي؛ فقد استُدعي القرآن الكريم والسنة النبوية في سياق تعبوي، يُجيِّش المسلم على أخيه المسلم بالعاطفة لا بالعقل، ويُرفع فيه شعار الجهاد والتكبير والتهليل في وجه خصومٍ هم في النهاية أبناء وطنٍ واحد. وهنا تتحول المقدسات من منارات هداية إلى أدوات استقطاب، ويصبح النص الديني مطيةً لصراعٍ سياسي.
كما كان سلاح الكذب حاضرًا بقوة: أخبارٌ عن انتصاراتٍ زائفة، وبياناتٌ متضاربة، واتهاماتٌ متبادلة، ووصمٌ لكل طرفٍ بما ليس فيه. انتصاراتٌ تُعلن على منصاتٍ إقليمية ودولية، بينما الأرض تنزف، والناس يهجرون،
إن أخطر ما في هذه الحرب أنها لم تُدِر معركتها ضد عدوٍ خارجي، بل ضد بنية الدولة والمجتمع معًا. لقد كشفت هشاشة الوعي السياسي، وضعف الخطاب الوطني الجامع، واستعداد بعض النخب للتضحية بالقيم من أجل مكاسب آنية.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيدٍ من “الأسلحة الفتاكة” الخفية، بل إلى تجريد الخطاب من الكراهية، وتحريم استغلال الدين، وتجريم العنصرية، ومحاسبة من يبيع الوهم باسم الوطنية. يحتاج إلى استعادة السياسة من أيدي تجار الأزمات، وإعادة الاعتبار للمواطن بوصفه غاية لا وقود صراعاتها.
فالحروب قد تنتهي باتفاقٍ أو هدنة، لكن آثار الأسلحة المعنوية إذا لم تُعالَج تبقى في الذاكرة الجمعية أجيالًا. و الذي يواجه الجميع اليوم:هل نملك الشجاعة لنُسقط هذه الأسلحة قبل أن يسقط ما تبقى من وطن؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..