مقالات وآراء

ترانيم على جدار الخراب… المواطن السوداني وسيزيفية البحث عن “دولة المتخيّل”

محمد صالح محمد

في قلب الركام الذي أحدثته آلة الحرب في الخرطوم ونيالا والجنينة لا يبحث المواطن السوداني اليوم عن مجرد “هدنة” هشة أو “اتفاق غرف مغلقة” بين جنرالات النزاع بل يفتش عن خيط ضوء في نفق الأزمة البنيوية التي أكلت أخضر بلاده ويابسها. إن حلم المواطن السوداني بالسلام ليس ترفاً عاطفياً بل هو فعل مقاومة سياسي ضد العدمية التي فرضتها البندقية.
ثنائية البقاء والفناء قراءة في سيكولوجيا الصمود …
لم يعد السلام في الوجدان السوداني الجمعي مرادفاً لـ “صمت المدافع” فحسب بل أضحى استعادة لمفهوم “المواطنة المغدورة” فالسوداني الذي شردته حرب الخامس عشر من أبريل يجد نفسه عالقاً بين كماشة الطموحات السلطوية والواقع الإنساني المتآكل.
إن هذا الحلم يتجاوز الرغبة في العودة إلى الديار؛ إنه يطالب بـ:
إعادة تعريف العقد الاجتماعي الذي تمزق تحت وطأة الاستقطاب الجهوي والقبلي.
مشروع وطني بديل ينهي حقبة “تسييس السلاح” وينتقل إلى “مدنية السياسة”.
العدالة الانتقالية كشرط أساسي لترميم الشروخ النفسية والمجتمعية التي خلفها النزاع.
معضلة “الوطن المستباح” هل يملك المواطن قراره؟
تتجلى عمق المأساة السياسية في أن المواطن السوداني صاحب المصلحة الحقيقية في الاستقرار يجد نفسه “مفعولاً به” في معادلة دولية وإقليمية معقدة فالحرب الحالية ليست مجرد صدام محلي بل هي ساحة لتصفية حسابات جيوسياسية وتنافس على الموارد والنفوذ في منطقة البحر الأحمر والساحل الأفريقي.
“إن السلام الذي يحلم به السوداني البسيط ليس “صفقة محاصصة” تقسم الكعكة بين النخب بل هو سيادة القانون التي تضمن له أن يكون شريكاً في السلطة والثروة لا مجرد رقم في كشوفات النازحين.”
أفق الحل من جحيم الحرب إلى جنة الاستقرار …
إن الانتقال من حالة “الاستقطاب الحاد” إلى رحاب “التوافق الوطني” يتطلب ما هو أكثر من النوايا الحسنة. يتطلب الأمر جراحة سياسية عميقة تستأصل أورام الشمولية المتجذرة في مفاصل الدولة منذ عقود.
أولاً: كسر احتكار العنف وحصره في مؤسسة عسكرية مهنية موحدة.
ثانياً: إطلاق حوار قاعدي يشمل القوى المدنية الحية بعيداً عن صخب البنادق.
ثالثاً: إعادة بناء الاقتصاد الذي دمرته الحرب ليكون قاطرة السلام وليس وقوداً للنزاع.
الحلم كفعل سياسي …
يبقى حلم السوداني بالسلام هو “المنفستو” الحقيقي للثورة المستمرة فهو الإيمان بأن هذا الوطن رغم جراحه الغائرة يمتلك من الطاقات البشرية والإرث الحضاري ما يؤهله لصياغة نموذج جديد للتعايش. إنها معركة الوعي ضد التضليل ومعركة الحياة ضد ثقافة الموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..