مقالات وآراء

حين تقول إفريقيا «لا» للجنرالات: تجميد السودان اختبار أخلاقي لضمير القارة

عبدالعزيز ابوعاقلة

عبدالعزيز ابوعاقلة ليس قرار الإبقاء على تجميد عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي إجراءً بروتوكولياً عابراً، بل لحظة كاشفة لميزان القيم الذي تحاول القارة إعادة ضبطه بعد عقود طويلة من الانقلابات العسكرية وتدوير العسكر للسلطة. ففي اجتماع مجلس السلم والأمن الإفريقي المنعقد في أديس أبابا يوم الخميس 10 فبراير 2026، اختارت إفريقيا أن تتمسك بقاعدة واضحة: لا شرعية لانقلاب عسكري، ولا مكافأة على انقلاب على التحول المدني، ولا تسامح مع تغييرات غير دستورية، مهما اشتدت الضغوط وتبدلت التحالفات.

إن إسقاط المقترح المدعوم من مصر والجزائر لرفع التجميد لم يكن تصعيداً سياسياً بقدر ما كان حماية لمعيار تأسيسي في النظام الإفريقي، معيار يقول إن العودة إلى المقعد لا تسبق العودة إلى الدستور. فالمجلس، وهو يقرّ بأن الظروف السياسية والأمنية في السودان لم تشهد «إصلاحات ملموسة في هيكل السلطة»، إنما يضع الإصبع على جوهر الأزمة: السلطة التي تُنتزع بالسلاح لا تُصحَّح بالمقاعد، ولا تُغسَل بالاعترافات الدبلوماسية.

يكتسب هذا الموقف وزناً إضافياً لأن السودان ليس حالة معزولة في تاريخ الانقلابات الإفريقية، بل نموذجاً مركباً لفشل العسكر في إدارة التنوع وبناء الدولة، ولعجز السلاح عن إنتاج الاستقرار. ومن هنا، فإن تأكيد المجلس على عدم وجود إطار زمني لرفع التجميد ليس تعنتاً أو عقاباً، بل رسالة ردع واضحة: الزمن لا يُقايَض بالشرعية، والتطبيع المؤسسي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإصلاح الدستوري الحقيقي.

يجب الإشادة الواضحة بهذا القرار فالتأكيد على أنه «لا حل عسكرياً» للنزاع ليس شعاراً إنشائياً، بل خلاصة تجربة سودانية مريرة. حين تُدار السياسة بمنطق الغلبة، تتحول الدولة إلى ساحة قتال، ويتحول المجتمع إلى وقود للحرب. لذلك فإن الدعوة إلى هدنة إنسانية فورية، وإلى مسار سياسي توافقي بملكية سودانية، ليست تنازلاً، بل استعادة لمعنى السياسة ذاته.

محاولات شرعنة أحد طرفي القتال بوصفه «السلطة الشرعية» اصطدمت بجدار المعايير الإفريقية. فقد رفض المجلس الانزلاق إلى جدل تمثيل زائف يبدّد البوصلة عن الهدف الأساسي: وقف الحرب. إن تحويل المأساة الإنسانية إلى سباق اعترافات يختزل ملايين الضحايا في ورقة تفاوض، ويمنح الجنرالات ما لم يمنحه لهم الشعب. ولعل وضوح هذا الرفض هو ما أعاد للاتحاد الإفريقي دوره المفترض كوسيط نزيه، لا كأداة في لعبة الاستقطاب.

وكان من الضروري تسمية الأشياء بأسمائها. فالانقلاب الذي قاده طرفا النزاع الحاليان في فجر 25 أكتوبر 2021 لا يمكن أن يصبح أساساً لشرعية لاحقة. هنا يستدعي الموقف الإفريقي حكمة سياسية قديمة مفادها أن الوسيلة تلوّث الغاية؛ فلا ديمقراطية تولد من فوهة بندقية، ولا دولة تُبنى على أنقاض العقد الاجتماعي.

على المستوى الإقليمي والدولي، تعبّر الإشارة إلى تنسيق المبادرات، ومنها المسار الرباعي، عن وعي متزايد بأن تعدد المسارات من دون بوصلة موحدة لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد الحرب. غير أن جوهر الرسالة الإفريقية يظل ثابتاً: لا اختصار للطريق على حساب المبادئ. فحين تُعلَّق القواعد باسم «الاستثناء»، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتضيع الدولة بين الضرورة والادعاء.

في المحصلة، يستحق قرار الإبقاء على التجميد كل الإشادة، لأنه يضع حداً لسياسة مكافأة الانقلاب، ويعيد الاعتبار لفكرة التحول المدني الديمقراطي بوصفها شرط الانتماء لا ترفاً تفاوضياً. إنه قرار يقول للقارة كلها إن زمن المساومات على الشرعية يجب أن ينتهي، وإن إفريقيا التي عانت طويلاً من الانقلابات العسكرية تملك اليوم شجاعة أن تقول «لا»: لا للجنرالات، نعم للدستور، ونعم لسلام عادل لا يُدار بالسلاح، بل بالعقل والعدالة والحرية والديمقراطية.

وفي النهاية، ليست المعضلة في السودان صراع رؤى بقدر ما هي صراع أخلاق سياسية. فالكيزان، في تحالفهم التاريخي مع العسكر، لم يكونوا يوماً حراس دولة ولا بناة وطن، بل سماسرة سلطة يتقنون تخوين المجتمع كلما قال «لا» للحرب. يرفعون راية الوطنية لتبرير العنف، ويستدعون الدين لتقديس الدبابة، ثم يطالبون الضحايا بالصمت باسم «الضرورة». تلك معادلة مقلوبة لا تصنع دولة، بل تعيد إنتاج الخراب.

والحكمة السياسية البسيطة تقول إن من يخوّن دعاة السلام لا يريد وطناً، ومن يقدّم البندقية على العقد الاجتماعي لا يؤمن بالديمقراطية، ومن يراهن على العسكر والكيزان معاً إنما يراهن على ماضٍ ثبت فشله. لا مستقبل لوطن يُدار بمنطق الطوارئ الدائمة، ولا انتقال ديمقراطي يُصاغ في غرف القيادة العسكرية، ولا شرعية تُستولد من خطاب الكراهية وتقسيم السودانيين وتكميم الأصوات المدنية.

إن قرار إفريقيا، في جوهره، يذكّر بحقيقة لا تقبل الالتباس: الأوطان تُبنى بالسياسة لا بالسلاح، وبالاعتراف بالآخر لا بتخوينه، وبالمدنية لا بتحالف تجار الدين والانتهازيين. ومن لم يتعلم من هذا الدرس سيظل يكرر المأساة ذاتها، بينما يمضي الشعب وحده في البحث عن سلام عادل يستحق اسمه ونبله وصبره.

Abdelaziz Abuaglah [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..