مقالات وآراء

اخذ منا الوطن والملجأ

احمد بطران عبد القادر

من المؤكد بالبحث الموضوعي في تاريخنا الحديث نصل الي إدراك حقيقة مؤلمة وهي ان الانقلابات العسكرية التي اغتصبت السلطة باسم الثورة هي التي لعبت دورا اساسيا وجوهريا في تدمير كيان الدولة السودانية و اسهمت في سيرها القهقري علي دروب الانحطاط والتخلف عن ركب الحضارة الإنسانية المعاصرة بهتك نسيجها الاجتماعي وإثارة فتن الصراع الجهوي والعنصري تحت مزاعم التهميش والاستعلاء الثقافي والديني و في خضم الأزمات المتلاحقة التي تعصف بامن الوطن واستقراره يبرز السؤال الملح حول لماذا تهضم حقوق الشعب السوداني و تهدر كرامته في الداخل والخارج وتسوده سلطة استبدادية لا تراعي مصالحه ولا تحفل بإرادته الجمعية نحو التحرر والانعتاق وإقامة نظامي ديمقراطي فدرالي ودولة حقوق علي أساس المواطنة المتساوية بلا تمييز باي شكل من الأشكال؟

أن معاناة السودانيين سواء في وطنهم السودان أو خارجه كلاجئين في دول الجوار تعكس أزمة إنسانية عميقة تتطلب استجابة دولية عاجلة من الفاعليين الدوليين ودعاء الحقوق والمنظمات الأممية لمعالجة أوضاعهم برؤية إنسانية منحازة للحقوق في الحياة والعيش الكريم وتقديم العون الازم لذلك واوله الحماية خصوصاً من العودة القسرية الي وطن يحترق تظل سمائه المسيرات القاتلة وتغطي أرضه حمم المتفجرات والمدافع الثقيلة ويحاصره الموت من كل الجوانب فقد فقد شعب السودان الوطن والنصير في ظل حرب عبثية لا تراعي فيها القيم الإنسانية والاخلاقية للحضارة الإنسانية المعاصرة ويقتل فيها الانسان علي الهوية واللون والموقف السياسي الرافض للحرب وهكذا تحولت بلاد السودان وجواره الي رحي تطحن الجميع بلا رحمة

فالسودان اليوم يعيش في مأساة و حالة من الفوضي و الفساد والجريمة المنظمة المحمية بالسلطة المستبدة المتكأة علي بندقية أمراء الحرب عملاء الاستعمار الحديث بمليشياتهم المسلحة القاتلة بلا رحمة ولا شفقة ولا ضمير وهكذا اصبحت البلاد باكملها ساحة ومساحة للصراعات الإقليمية والدولية الهادفة لاضعاف السودان وتقسيمه الي دويلات متناحرة بغرض نهب موارده وثرواته
أن استمرار القتال بشكله الحالي تحت شعار ( من ليس معنا فهو ضدنا ) يجعل من الصعب على الشعب السوداني التمتع بحقوقه الأساسية في الحرية والكرامة الإنسانية

داخل وطنه رغم الصبر علي كارثة الحرب ومأساتها واوزارها والنزوح لأماكن يعتقد انها آمنة تظل الأجهزة الأمنية في كل ولايات البلاد عاجزة عن فرض هيبة الدولة والأمن الاجتماعي مما يشكل خطورة بالغة علي حياة الكثيرين غير أن من يسلم من العصابات المسلحة قطعا تطاله أيادي الخلايا الأمنية التي ظهرت فجأة لتعمل خارج نطاق القانون لتصفية الحسابات السياسية عرقيًا وسياسيًا مما يزيد من تعقيد الأزمة بالأمان المفقود

واليوم يقف العالم بأثره (بداية من الأمم المتحدة ومرورا بالاتحاد الافريقي وجوار السودان الجغرافي) صامت وعاجز إيذاء مأساة حرب السودان و اوضاع اللاجئين السودانيين في دول الجوار الافريقي الذين يعيشون معاناة مزدوجة حيث يواجهون تحديات كبيرة في الحصول على الحماية والخدمات الأساسية إضافة مهددات العودة القسرية خصوصا من مصر التي احتضنت ملايين منهم واندمجوا في مجتمعاتها ولم يشعروا بغربة على الرغم من أن وضعهم في مصر كان أفضل بكثير توفر مقارنة بدول الجوار الأخرى إلا أن الحملات الأخيرة والتسريبات عن أن هنالك تنسيق أمني مسبق بين بورتسودان والقاهرة لإعادة اللاجئين السودانيين الي ديارهم قسريًا أثارت قلقًا ورعبًا لدى مجتمع اللاجئين السودانيين بمصر

بموجب الاتفاقيات الدولية يتعين على كل الدول حماية حقوق اللاجئين وتوفير سبل الحياة الكريمة لهم تحت اشراف وإدارة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) والتي ينبغي أن تلعب دورًا حيويًا في هذا الصدد لكن يبدو أن هناك قصورًا في تطبيق هذه الاتفاقيات الدولية على أرض الواقع مما يعرض اللاجئين السودانيين وغيرهم لمخاطر انسانية كبيرة

المثقف المصري أدرك عمق الأزمة السودانية وتداعياتها وأن استطالت أمدها يشكل خطورة لا علي وحدة السودان واستقراره فحسب بل علي وجوده كدولة مستقلة ذات سيادة مما ينعكس سلبا علي الأمن القومي المصري والاقليمي لذا علت الأصوات في القاهرة التي تنادي بضرورة الحوار السوداني السوداني لإيقاف الحرب و العودة إلى المسار المدني الديمقراطي وفق إرادة السودانيين ومحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية هذه الرؤي الثاقبة تمثل تطلعات الشعب السوداني نحو مستقبل أفضل يحقق أهداف ومبادئ ثورة ديسمبر المجيدة لكن هذا الامر يتطلب جهودًا مشتركة من المثقفين المصريين و السودانيين عبر احزابهم وتحالفاتهم ومنظوماتهم الاجتماعية المختلفة النقابية والمطلبية ومن المجتمع الدولي الهادف للحفاظ علي الأمن والسلم الدوليين بالياته المتنوعة لضمان الوصول في السودان الي سلام عادل يصون الحقوق الأساسية للمواطنين ويحقق العدالة والمساءلة

لئن اتفقنا علي إنه لا يختلف اثنان علي أن للرأي العام قوة مؤثرة ساحرة علي صناع القرار فأنه يتوجب علينا أن نعمل سويا و نشكل رأي عام عالمي داعمًا لحقوق الشعب السوداني ورافضًا لقهره وازلاله في بلاد اللجوء أو أماكن النزوح فالتعبير العلني والواعي عن مواقف الأفراد والاحزاب والجماعات تجاه قضايا تهمهم وتشغل بالهم يمكن أن يشكل ضغطًا على الحكومات والمجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات حقيقية و ملموسة لحماية حقوق الإنسان

إن قهر السودانيين وعدم مراعاة حقوقهم كلاجئين وفق منظومة القانون الدولي والإنساني يمثل تحديًا كبيرًا للمجتمع الدولي وللمثقفيين في بلدان اللجوء مما يحتم علي الجميع التحرك في كل الاتجاهات لادراك ما يمكن إدراك حتي لا تسب الأوضاع اكثر وعلي المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن تتخذ إجراءات عاجلة لحماية حقوق اللاجئين السودانيين وتوفير الحماية لهم من العودة القسرية كما يجب علي كل شرفاء العالم و احراره دعم الشعب السوداني في نضاله من أجل الديمقراطية، واستعادة الحكم المدني الديمقراطي
إن الأمل في التغيير الإيجابي يبقى قائمًا مع استمرار النضال من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية في السودان.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..