مقالات وآراء

زيارة رئيس الوزراء إلى جنيف إختبار التأثير الحقيقي

طه يوسف حسن

في زيارته الأخيرة إلى جنيف التقى رئيس الوزراء د. كامل إدريس بعدد من كبار مسؤولي منظومة الأمم المتحدة، من بينهم المدير العام لـمنظمة الصحة العالمية د. تيدروس أدهانوم غيبرييسوس و مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تُرك ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إضافة إلى مجلس الكنائس العالمي. وقد قُدِّمت هذه اللقاءات في الخطاب الرسمي بوصفها إنجازًا دبلوماسيًا، غير أن القراءة النقدية تطرح سؤالًا مشروعًا: هل تجاوزت الزيارة حدود المجاملات البروتوكولية إلى مستوى التأثير السياسي الحقيقي؟

اللقاء بكبار موظفي منظمات الأمم المتحدة في جنيف لرئيس وزراء لا تستحق صيحات الانتصار حيث تُعد هذه اللقاءات في جوهرها جزءًا من المهام اليومية لبعثة السودان الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف. فهذه المؤسسات تعمل وفق أطر إجرائية معروفة، وتتواصل بصورة دورية مع المندوبين الدائمين للدول الأعضاء وعليه، فإن اجتماع رئيس الوزراء بهذه القيادات، رغم أهميته الرمزية، لا يُعدّ بحد ذاته اختراقًا نوعيًا في جدار الأزمة السودانية، بل يدخل ضمن السياق التقليدي للعلاقات متعددة الأطراف.

المتوقع – في سياق أزمة وطنية معقدة – أن تتجه بوصلة الزيارة نحو لقاءات موسعة مع مندوبي الدول المعتمدة لدى الأمم المتحدة، لتنويرهم بمستجدات الأوضاع في السودان، وطرح رؤية الحكومة بصورة مباشرة أمام صناع القرار. كما كان من المنتظر عقد مؤتمر صحفي في قصر الأمم المتحدة لمخاطبة الصحافة الدولية وتمليكها رواية رسمية متماسكة، في ظل التنافس الحاد على السرديات المرتبطة بالشأن السوداني خاصةّ و أنَّ الصحافة الدولية تُغذي معلوماتها من مصادر للأسف غير سودانية في ظل غياب السردية الرسمية.

حين التقى رئيس الوزراء بالمفوض السامي لحقوق الإنسان، كان يمكن للقاء أن يتحول إلى منصة مساءلة متبادلة. فالسودان يخضع لسلسلة من الآليات الخاصة بمجلس حقوق الإنسان، تشمل لجنة تقصي حقائق برئاسة التنزاني محمد عثمان شاندي و خبير مُعين لحالة حقوق الإنسان في السودان التونسي رضوان نويصر و مكتب قُطري لمفوضية حقوق الإنسان في السودان، وتوصيات لجان تقصي حقائق ،لم تجتمع كل آليات المراقبة و الرصد هذه إلا في السودان، سبق و أن فُرضت هذه الآليات مجتمعة على دولة بورندي و لكن السلطات جمدت تعاونها مع بعض آليات حقوق الإنسان متهمة إياها بالانتقائية.

إدارة ملف الأزمة في السودان تتطلب توازنًا دقيقًا بين الدفاع عن السيادة الوطنية، وعدم الانزلاق إلى خطاب المواجهة غير المحسوبة مع المنظومة الدولية. غير أن الصمت أو الاكتفاء بالمجاملات لا يخدم أيضًا المصالح الوطنية، خاصة إذا كانت هناك تحفظات جوهرية على منهجية بعض الإجراءات.

لا شك أن لقاءات رئيس الوزراء في جنيف بهذا المستوى قد تحصد التصفيق حول طاولات الاجتماعات، وتُنتج بيانات صحفية إيجابية الصياغة. لكن الدبلوماسية الفعالة تُقاس بنتائج ملموسة: هل تم تخفيف الضغوط الدولية على السودان؟ هل ستتغيَّر لهجة التقارير؟ هل سيُفتح مسار دعم إنساني بشروط أفضل؟

إذا لم تُترجم اللقاءات إلى مواقف سياسية داعمة داخل أروقة الأمم المتحدة و مجلس حقوق الإنسان أو في أروقة الدول المؤثرة، فإنها تبقى في إطار التواصل المؤسسي الروتيني.

زيارة جنيف كانت فرصة لإعادة تموضع السودان في فضاء دولي معقّد، ونافذة لطرح خطاب سياسي متماسك أمام المجتمع الدولي. غير أن التقييم الموضوعي يقتضي التمييز بين الحضور الشكلي والتأثير الفعلي.

الدبلوماسية ليست عدد اللقاءات، بل هي دبلوماسية التأثير. بين التصفيق البروتوكولي والإنجاز السياسي مسافة تُقاس بالقدرة على تحويل الاجتماعات إلى مواقف، والمصافحات إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..