مقالات وآراء

18 فبراير 2026 الذكرى ال14 لرحيل الامبراطور وردي

سحر الاسطورة لازال رائعا !!

أمير شاهين

نحتاج الى مئة سنة اخرى حتى نحصل على مثل وردى و الكابلى و محمد الامين
” اسحاق الحلنقى”

عندما تغنى وردى فى الستينات ” يا ﺭﻭﻋﺔ ﺳﺤﺮ ﺍﻷﺳﻄﻮﺭﺓ ﻳﺎ ﺳﻤﺤﺘﻨﺎ ﺍﻟﻤﺎ ﺑﻨﻄﻮﻟﻬﺎ ﻟﻮ ﻧﺤﻦ ﻣﻘﺎﻣﻚ ﻣﺎ ﻗﺪﺭﻭ ﺃﻋﺬﺍﺭﻙ ﻋﻨﺪﻧﺎ ﻣﻘﺒﻮﻟﺔ” من كلمات الحلنقى الرائع دوما لم يكن يدرى انه نفسه سوف يصبح اسطورة رائعة فى فن الغناء و الموسيقى فى السودان .

تمر علينا هذه الايام الذكرى ال14 لوفاة الاستاذ الامبراطور محمد وردى بيتهوفن الموسيقى السودانية وإمبراطور الاغنية الافريقية ! والذى حدثت وفاته فى مثل هذا اليوم منذ 14 عام (18 فبراير2012م) غادرنا الأستاذ محمد عثمان حسن صالح وردى المشهور ب “محمد وردى” عن عمر يناهز ال 80 عاما قضاها في خدمة فن الغناء والموسيقى السودانية وخلف وراءه اعمال خالدة واثار راسخة باقية الى ان يشاء الله في وجدان الامة السودانية ،

عرف عن الاستاذ محمد وردى موهبته الكبيرة فى التلحين و الموسيقى فقد كان لديه شغف كبير فى الحصول على اجمل الاشعار ليحولها الى اغانى ذات موسيقى تخلب الالباب وكان عليه الرحمة ذو موهبة عظيمة فى التلحين وكان يؤمن بان اللحن الجميل هو الذى يؤدى الى نجاح الاغنية حتى ولو كانت الكلمات ضعيفة او ركيكة ! وكانت موهبته هذه محل اشادة و اعجاب حتى من زملائه الفنانين , فمحمد الامين كان يقول دائما بان وردى فنان عظيم و موسيقار من طراز فريد و عثمان حسين ذكر بان وردى قدم اضافات كبيرة الى فن الغناء السودانى لا احد يستطيع نكرانها , والكابلى افاد بان وردى مشحون بالابداع و الجمال وانه يمثل حضارة عريقة عمرها الاف السنوات و صلاح بن البادية قال قى احدى اللقاءات بان وردى قد اتعب وارهق زملائه الفنانين اذ انه يواصل الاتيان بكل جديد و جميل بدون كلل او ملل مما يجعل الاخرين يحاولون مجاراته وذكر ايضا بان احد اصدقائه قال له ان وردى يتفوق على الموسيقار المصرى محمد عبدالوهاب فى غزارة الانتاج و وزيدان ابراهيم المشهور بخفة دمه و تعليقاته الطريفة كان قد ابدى دهشته وهو يرى وردى قد التحق بمعهد الموسيقى كطالب يريد دراسة الموسيقى فى المعهد عند انشائه فى العام 1968 وقال لوردى :

يا وردى انت جنيت ولا شنو ؟ بالله دة منو اللى عايز يدرسك موسيقى ؟ انت لا تحتاج الى دراسة الموسيقى و مفروض انت من تقوم بالتدريس ! . وحديث زيدان هذا كان متسقا بالترقية الاستثنائية التى حصل عليها وردى من قبل مدير الاذاعة وقتها اذ تمت ترقيته من فنان فى الدرجة الرابعة ( اسفل السلم) الى فنان فى الدرجة الاولى ( قمة السلم) !! ففي العام 1958م كان وردى الذى اكمل العام منذ دخوله الإذاعة في 19 يوليو 1957م قد قام بتسجيل 17 اغنية (تخيل عدد 17 أغنية جميلة في عام واحد) جميعها لاقت القبول والاستحسان من الجمهور , ولهذا السبب فقد اتخذ مدير الإذاعة وقتها الأستاذ محمد صالح فهمى قرار تاريخيا استثنائيا لم يحدث من قبل ولا تكرر بعدها في العام 1958م كان وردى الذى اكمل العام منذ دخوله الإذاعة في 19 يوليو 1957م قد قام بتسجيل 17 اغنية (تخيل عدد 17 أغنية جميلة في عام واحد) جميعها لاقت القبول والاستحسان من الجمهور وذلك على حسب الاحصائيات من البرنامج الاذاعى المشهور ” ما يطلبه المستمعون” و الذى كان بمثابة استفتاء حقيقى للفنانين ,

ولهذا السبب فقد اتخذ مدير الإذاعة وقتها الأستاذ محمد صالح فهمى قرار تاريخيا استثنائيا لم يحدث من قبل ولا تكرر بعدها وهو ترقية وردى من فنان في الدرجة الرابعة (الأقل في التقييم الفني) الى الدرجة الأولى ( الأعلى) وهذا يعنى زيادة المستحقات المالية بالإضافة للوضع الاجتماعي والأدبي ولم يكن هذا الامر ميسورا او سهلا كما يتبادر الى اذهان البعض فقد كان ذلك الأمر شبيه بالصعود إلى القمر وارتياد الكواكب البعيدة !! .

ولهذا كان الحصول عبيها غاية الآمال لدى الفنانين لا يبلغها الا من كانت له سنوات طوال واعمال كثيرة مسموعة لدى الجمهور وفى ذلك الوقت كانت بالإذاعة لجان فنية متخصصة لا تعرف المجاملة ولا الطرق الملتوية.. عليهم الرحمة جميعا , واما شيخ النقاد الموسيقيين الدكتور انس العاقب فقد افاد ان الفنانون المجددون في السودان أربعة هم العمالقة الراحلين خليل فرح و ابراهيم الكاشف و عثمان حسين واضاف ان وردي تجاوز كل هؤلاء لامتلاكه ذخيرة ابداعية اكبر بحكم منطقته الحضارية التي شكلت ثقافة وردي الجامعة التي لونت ابداعه بمختلف انماطه الحديثة اما تأثيره على الاغنية السودانية فهو عند النقاد صاحب انماط في حركة الغناء لم يسبقه عليها احد. و انه حول المقدمة الموسيقية في الاغنية النمطية الكلاسيكية ,

اضافة الى انه اشتهر بالجمل الموسيقية الثرة والممتدة وكذلك قدرته على الاضافة وابتكار النغمات داخل اللحن و فوق كل هذا وذاك صوت كاريزمي من اول وهلة يفرض نفسه على المستمع وقدرة على التعبير والتلوين والتطريب . وجاوز الآخرين في انه اختار انماط شعر مختلفة حيث تغنى بالنوبية وهو شاعر كبير في هذا المجال , كما استخدم ايقاعات الشمال والإيقاعات الافريقية ، ومن آثار وردي على الاغنية السودانية انه حول الاغنية الخفيفة الراقصة وكان له دور كبير في تجاوز مدرسة الفنانين احمد المصطفى وإبراهيم عوض ,، اما بشكل موسيقي متجدد او بأشعار الشباب ، كما حول قضية عاطفة الحب الى ما يمكن تسميته بمزج حب الوطن مع حب المحبوبة كما في اغنية (بناديها)، ومن لمساته في الاغنية ايضا وعبر اشعار محجوب شريف وعمر الدوش صنع تحولا في الاغنية من الكلاسيكية التي كان متعارف عليها . واهتم وردي دون غيره من الفنانين بالأغنية الوطنية كما في الاكتوبريات وتكمن اهمية فكره في انه لم يكن تفكيره موسيقيا فقط وإنما كان تفكيرا جمعيا جعل من الحب قضية جماعية وطنية جمالية ، ادت الى اعتقاله لكن في النهاية انتصرت قضية الوطن على الاعتقال والهجرة . وأكد انس العاقب انه الفنان الوحيد الذي استطاع ربط الثقافات السودانية منذ النوبية وحتى الان وكون لنفسه مدرسة خاصة , وبموته انطوت صفحة في كتاب فن الغناء السوداني التقليدي .

ومنذ دخول وردى الإذاعة في العام 1957م وتسجيل أولى أغنياته ” الحب و الورود (يا طير يا طاير)” و ” يا سمرة” ” يا سلام منك انا اه” وكانت هذه الأغنيات من كلمات إسماعيل حسن الذى قام بتعريب كلمات الليلة يا سمرة من اصلها النوبي كما ان لحن يا سلام منك انا اه مأخوذة من التراث النوبي أيضا , وبالرغم من ان هذه الأغنيات قد لفتت اليه الأنظار وخلقت له جمهور كبير ,

الا انه كان في قرارة نفسه يشعر بانه يريد ان يخرج عن المألوف و يقدم أفكار لحنية وموسيقية جديدة فقد كانت موهبة التلحين والموسيقى تندلع وتمور في داخله وتدفعه لإظهارها وإخراجها الى الجميع فهو ليس مجرد مغن يؤدى الأغاني التي تجيئه جاهزة من كلمات والحان , بل ملحن وموسيقى لديه رُؤًى وأفكار جديدة جديرة بالظهور الى الناس !! , وكان يريد الخروج من دائرة الالحان الدائرية حيث الموسيقى تردد نفس كلمات الاغنية ! وكانت أولى خطواته في طريق التلحين والتأليف الموسيقى اغنية “اول غرام يا اجمل هدية” والتي قام وردى بكتابة كلماتها وقام بتلحينها كأول لحن له يخرج من اطار الحان الأغنيات النوبية ، ويقول وردى بأن هذه الاغنية قد رات النور بعد الكثير من الجدل ، فهو عندما اكمل اللحن ذهب ليسمعها الى الملحن خليل احمد والذى قال لوردي عند سماعه لها “دة كلام فارغ” مما أدى الى خصام وجفوة بينهما استمرت طويلا , وعند تقديم الاغنية إجازته في الإذاعة زجره مدير الإذاعة وقتها محمد صالح فهمى وقال لوردي “ايه دة ؟ انت المفروض تغنى وبس مالك ومال كتابة الشعر؟؟“وكان طوق النجاة من هذا المأزق هو نسب القصيدة الى العازف على ميرغني والذي كان صديقا حميميا وقتها لوردي وعندها تمت إجازة الاغنية “اول غرام” وفور اذاعتها حققت نجاحا عظيما واعلنت بوضوح ميلاد موسيقار و ملحن كبير صعد بعدها الى القمة باعمال موسيقية خالدة و متفردة مثل ” الود” “قلت ارحل” و” بناديها” و ” الجميلة و مستحيلة” و ” الحزن القديم”
نسأل الله له الرحمة والمغفرة، وأن يتقبله بقبول حسن، ويسكنه فسيح جناته، ويجعل قبره روضة من رياض الجنة،

والى اللقاء

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..