مقالات وآراء

عودة الظل…استعادة تجربة الفشل الإسلاموي من جديد

د. التوم حاج الصافي زين العابدين

لم يكن سقوط الحركة الإسلامية من السلطة حدثًا عابرًا في تاريخ السودان، بل كان لحظة انكشاف كبرى لمشروعٍ حكم البلاد عقودًا بالشعارات، وتركها مثقلة بالأزمات والانقسامات والانهيار الاقتصادي. ومع ذلك، يبدو أن ذاكرة بعض قادتها قصيرة، أو أن شهوة السلطة لديهم أطول من ذاكرة الشعوب.

ما الذي تريده الحركة اليوم؟السؤال لا يُطرح بدافع الفضول، بل بدافع القلق. فالتجارب السياسية لا تُقاس بالنيات بل بالنتائج، ونتائج حكمهم ما زالت محفورة في تفاصيل الحياة السودانية: دولة منهكة، مؤسسات مخترقة، اقتصاد متداعٍ، ومجتمع ممزق بالاستقطاب. ومع كل ذلك، يعود خطابهم ذاته: خطاب المظلومية حين يخسرون، وخطاب التفويض الإلهي حين يقتربون من السلطة.

المفارقة أن الحركة لم تقدم مراجعة حقيقية لتجربتها، ولا اعتذارًا واضحًا عن أخطاء حكمها، بل ظلت تراهن على الفوضى كجسر عبور. ففي اللحظات التي يحتاج فيها الوطن إلى التهدئة، يعلو صوت التعبئة. وحين يطالب الناس بالاستقرار، يظهر خطاب التحريض. وكأن الفوضى ليست كارثة لديهم بل فرصة.

المأساة ليست فقط في محاولة العودة، بل في الأسلوب. فبدل أن تعود عبر مشروع سياسي جديد، أو رؤية إصلاحية، أو قيادة مختلفة، تعود بنفس الأدوات القديمة: الاستقطاب، التخوين، واحتكار الوطنية. وهذا أخطر ما في الأمر؛ لأن تكرار التجربة بذات العقلية يعني تكرار النتيجة بذات الكارثة.

إن الشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى. والسودانيون الذين دفعوا ثمن الصراعات والانقسامات لن يقبلوا بسهولة إعادة تدوير الفشل. فالسلطة ليست غنيمة، والوطن ليس ساحة اختبار لمشاريع أيديولوجية. ومن لم يتعلم من سقوطه، فعودته ليست نهضة بل نذير سقوط جديد.

التاريخ لا يرحم، والشعوب حين تستيقظ لا تنام مرة أخرى. والسؤال الحقيقي لم يعد: ماذا تريد الحركة؟بل: هل يسمح السودانيون بتكرار ما يعرفون جيدًا أنه قادهم من قبل إلى الحافة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..