مقالات وآراء

الأفق الذي لا يمكن تأجيله: رهانات البرهان أم المجتمع الدولي ؟

ميرغني أبشر

قبل الولوج إلى متن هذه المقالة، لا بد من تثبيت ملاحظتين تأسيسيتين تتصلان باللغة التي نستخدمها في توصيف السلطة القائمة وتوصيف حربها، ذلك أن اللغة في لحظات التحولات الكبرى تتعدى كونها أداة وصف، لتصبح جزءاً من معركة الوعي ذاتها.
لقد استخدمنا، في مراحل سابقة، توصيف “حكومة بورتسودان”، وكان هذا التوصيف مقصوداً، بوصفه تذكيراً بتداعيات الحرب التي دفعت جهاز الدولة التنفيذي إلى النزوح من العاصمة التاريخية إلى مدينة أخرى، في واحدة من أكثر صور التهجير الرمزي والمادي قسوةً في تاريخ الدولة السودانية الحديثة. لقد كان توصيف “حكومة بورتسودان” انعكاساً لحقيقة موضوعية، وهي أن الحرب لم تكتفِ بتشريد المواطنين، وإنما شرّدت أيضاً مؤسسات الدولة نفسها، وأبانت عجزها وانحشارها بعيداً.

فيبدو أن قادة حكومة الأمر الواقع انتبهوا إلى هكذا توصيف، وشُدَّ عليهم الأمر، فاتخذوا ما اتخذوا، وذهبوا وانتقلوا بجهازهم التنفيذي إلى عاصمة البلاد الأساسية. وعندها عدنا إلى توصيف “حكومة الخرطوم”، ليس لأن السلطة اكتسبت شرعية جديدة، وإنما لأن توصيف المكان ينبغي أن يظل أميناً لحركة الواقع. إن توصيف السلطة لا يقف عند حدود الموقف السياسي، فهو أيضاً التزام معرفي بأمانة التعبير.
وفي هذا السياق، فإن الإصرار على تحميل اللغة ما لا تحتمل، ومحاولة فرض توصيفات ذات طابع تعبوي، يُعد كل ذلك إسهاماً سلبياً يعمّق أزمة الوعي، لأن هكذا إسهام ينقل الخطاب من ميدان الوقائع إلى ميدان الأوهام.

أما عن الملاحظة الثانية فنقول: من بين أكثر مظاهر الارتباك دلالةً في خطاب السلطة هذا التذبذب في توصيف الحرب نفسها. ففي بداياتها، وُصفت هذه الحرب، من داخل خطاب السلطة، وعلى لسان برهانها، بأنها حرب عبثية، وهو توصيف كان يعكس إدراكاً ضمنياً لطبيعتها بوصفها صراعاً انفلت من السيطرة، وجرّ البلاد إلى هاوية لم يكن أحد قادراً على تقدير مداها.
غير أن هذا التوصيف اختفى فجأة، ليحل محله تعبير آخر، هو “حرب الكرامة”، وهو تعبير لم ينشأ بوصفه توصيفاً موضوعياً، وإنما بوصفه محاولة لإضفاء معنى أخلاقي على واقع لا يحتمل التجميل.

وقد بلغ الأمر حدّ التنافس بين وُرّاقي النظام وأحباره المتواضعة في مهزلة جديدة عنوانها: من هو المبدع الذي أطلق مفردة “حرب الكرامة”؟ محوِّلاً دلالاتها العبثية بالأصالة إلى أداة تعبئة سياسية. ومن هذا المدخل نلج إلى مادة مقالنا المقصد: فوصم هذه الحرب بالعبثية كان توصيفاً دقيقاً جداً، يشي بأن الواصف قد تم توريطه في هذه الحرب ودُفع إليها دفعاً، ولم تكن له إرادة في إمساكها أو التحكم في مآلاتها.

لتتوضح لنا، وفق ما سلف، أكثر السمات بروزاً في أداء قائد السلطة القائمة، فهو يتحرك بوصفه متلقياً لمبادرات تُصاغ خارج إرادته، ليلتزم بتبنيها لاحقاً.
وقد ظهر هذا بوضوح في تحولات خطابه من العبثية إلى الكرامة “المهدرة”، وها هو ذا يتبنى الجنرال أيضاً طرح الناطق الرسمي السابق باسم القوات المسلحة، الصوارمي، الذي أطلق مبادرة تدعو إلى العفو عن حاملي السلاح، وإلى إطلاق حوار لا يستثني أحداً، لينعق بها رئيس مجلس السيادة، بنفس تفاصيلها، مضيفاً إليها عنته، في خطاب رسمي أمام خريجي دفعات جديدة من ضباط جامعة كرري.

إن هذه الظاهرة المتكررة تكشف لنا، وبوضوح تام، أن سعادة الفريق يُساق ولا يسوق، وأنه مرهون لإرادة تيار بعينه، خليط يتسيده صُنّاع إمبراطوريات الأموال من قادة الصف الأول في المؤتمر الوطني المحلول، وجنرالات الحركات المسلحة اللاعبون بكرت مغازلة الدعم السريع بعد أن فقدوا كرت الميدان في دارفورهم. فيخشى الجنرال انتقالهم، وجميعهم يريدون عملية سياسية تشملهم، ولحين أن يأتي تمنّيهم هذا، يظلون يتخندقون وراء مقولة السيادة الوطنية ورفض إيقاف الحرب حتى تأتي بسلامٍ على مقاسهم.

وفي موازاة هذا الارتباك الداخلي، تتمدد خارطة الرباعية وتمضي إلى نهايات حتمية، بتنسيق مع المنظومة الأممية وعدد من القوى الدولية والإقليمية.
فالرباعية تنهض بفرض هدنة، وفتح مسار سياسي يقود إلى تحول مدني ديمقراطي، عبر آليات تضمن عدم عودة سلطة “العسكرتارية”.
وقد جاء بيان وزارة الخارجية السودانية بالأمس، الذي أعرب عن رفضه لأي تفاهمات تمس السيادة الوطنية، بوصفه مؤشراً على إدراك السلطة لحقيقة أن هناك عملية سياسية تتجاوز إرادتها.

إن هذا البيان، في مضمونه السياسي، يعكس قلقاً، لا ثقة، ولا كما يريد أن يتظاهر، لأن السلطة تدرك أن مركز الثقل السياسي لم يعد محصوراً داخل مؤسساتها، وإنما أصبح جزءاً من معادلة دولية أوسع.
ضمن هذا السياق، تركض سلطة الأمر الواقع في الخرطوم، ومن ورائها الإسلام السياسي وحركات دارفور المسلحة، وجميعهم خارج الصياغة الرباعية، تركض سراً في محاولة محمومة للوصول إلى اتفاق ثنائي، يسيّجه الداخل الأفريقي مع قوات تأسيس، يمكنهم من موطئ قدم لا تتيحه الرباعية.

غير أن مثل هذا الاتفاق، حتى لو تم، لن يحظى بقبول دولي، لأن المجتمع الدولي لم يعد يتعامل مع الأزمة بوصفها نزاعاً بين طرفين فقط، وإنما بوصفها أزمة بنيوية تتطلب إعادة تأسيس السلطة على أسس جديدة.
إن أي اتفاق لا يفضي إلى انتقال مدني حقيقي، لن يكون قابلاً للاستمرار.
في ضوء المعطيات الراهنة، يمكن تحديد أربعة مسارات رئيسية:

المسار الأول: نجاح السلطة في التوصل إلى اتفاق ثنائي مع قوات الدعم السريع، وهو مسار ضعيف الاحتمال، نظراً لرفض المجتمع الدولي لأي تسوية لا تتضمن تحولاً مدنياً حقيقياً.
المسار الثاني: صدور قرار من مجلس الأمن بفرض هدنة ملزمة، تحت إشراف الأمم المتحدة.

المسار الثالث: تحرك تحالف دولي، بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا وشركائهما الإقليميين، لفرض تسوية سياسية خارج إطار مجلس الأمن.

المسار الرابع: تصاعد العمليات العسكرية إلى درجة تفرض تدخلاً دولياً مباشراً، تحت مظلة الأمم المتحدة أو عبر آليات دولية أخرى، وهو الأقرب للحدوث إذا لم يتمكن أحد أطراف الوساطة من إقناع الجنرال وحلفائه المرتعبين من إلقاء العصا.
فقد دخلت الحرب في السودان مرحلة لم يعد فيها استمرارها خياراً سياسياً قابلاً للحياة. إن القوى التي تعتقد أن بإمكانها كسب الزمن، إنما تؤجل، إلى حين قصير، مواجهة الحقيقة.

وختاماً نقول: إن التاريخ السياسي للسودان يعلّمنا أن السلطة التي تنفصل عن شعبها، وعن حركة العالم من حولها، لا تستطيع أن تحافظ على موقعها طويلاً.
لقد أصبحت إرادة إنهاء الحرب جزءاً من إرادة دولية، وإرادة شعبية، وإرادة تاريخية، تتلاقى جميعها عند نقطة واحدة: إنهاء زمن الحرب، وفتح الطريق أمام دولة مدنية ديمقراطية.
وهذا الطريق، وبكل المعطيات الأخيرة، وأهمها تصاعد وتيرة الميدان ونبرة الخطاب السياسي متعدد المنابر والأصوات، بات وشيك الحدوث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..