
أحمد عثمان محمد المبارك
لا يُقاس نجاح أي سلطة بمجرد طرد الخصم او انسحابه من الميدان، بل بقدرتها الفعلية على ملء الفراغ الأمني والإداري فور انسحاب العدو. ففي الأعراف الدولية، وبمجرد خروج القوات المعادية، يُفترض أن تنسحب القوات القتالية إلى ثكناتها لتتسلم الشرطة المدنية زمام الأمور، وهو ما لم يحدث في واقع مدينة الخرطوم، إذ إن انسحاب قوات الدعم السريع قد خلف فراغاً موحشاً ملأته عصابات النهب، والمستنفرون، وجماعات التطرف الديني. إن غياب جهاز شرطي مهني ومحاكم طوارئ ميدانية فاعلة يجعل المواطن عرضة للابتزاز أو القتل الجنائي، وهو خطرٌ يفوق ضراوة المعارك الحربية لكونه غدراً غير مرئي وغير متوقع.
وتؤكد المعايير الدولية، ولا سيما مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بالنزوح الداخلي، أن عودة السكان لا تكون آمنة إلا بتوفر الحد الأدنى من مقومات الحياة الأساسية. وبالنظر إلى تجربة مدينة الموصل العراقية، نجد أن السكان لم يبدأوا بالعودة الكثيفة إلا بعد تأمين محطات المياه والكهرباء وتأهيلها وبسط الأمن في المدينة. أما في الخرطوم، فتطالب سلطة البرهان المواطنين بالعودة إلى بيوتٍ نهبتها العصابات وتفتقر لأبسط قطرة ماء، مما يجعل هذه الدعوة تبدو في جوهرها عقاباً للنازحين أو محاولة لاستخدامهم كروعة بشرية في صراع مستمر لم ينتهي بعد.
وهناك ثمة قاعدة ذهبية في العلوم السياسية تنص على أن “المواطن يتبع الدولة ولا يسبقها”، لذا فإن السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه هنا هو، هل عادت الوزارات السيادية لمقراتها في شارع النيل أو وسط الخرطوم؟ فطالما أن الوزراء وكبار المسؤولين لا يزالون يديرون شؤونهم من مدينة بورتسودان، فإنهم يرسلون إشارة صامتة ومباشرة بأن الخرطوم ليست آمنة بعد، فالععمران الحقيقي يبدأ بعودة هيبة المكتب قبل هيبة الثكنة العسكرية.
وعلاوة على ذلك، ظلت أحياء الخرطوم بعد انسحاب الدعم السريع حقول موت موقوتة بسبب انتشار الألغام والذخائر غير المنفجرة، في ظل غياب حملات تطهير واسعة وموثقة من فرق الهندسة العسكرية تؤكد خلو المناطق السكنية من المتفجرات، مما يحول دعوات العودة إلى مغامرة غير محسوبة بحياة المدنيين.
وبإجراء مقارنة بسيطة بين المتطلبات الدولية لضمان الأمان وبين واقع الخرطوم الراهن، نجد فجوة هائلة، فالأمان يتطلب وجود شرطة مدنية وأجهزة عدلية، بينما واقع الخرطوم ممتلئ بالجيش والمستنفرين وعصابات النهب، كما ان الامان يتطلب ايضا شبكات خدمية مستقرة ومستشفيات عاملة. وبينما تعاني المدينة من انقطاع شبه كامل للمياه والكهرباء، تدير سلطة الأمر الواقع شؤون الحكومة تتم عن بُعد.
لذلك فإن محاولة سلطة بورتسودان تصوير انسحاب الطرف الآخر كأنه نهاية للحرب فيه مغالطة كبرى؛ فالمواطن السوداني الذي فقد ممتلكاته ومدخراته لن يعود ليواجه عصابات السكاكين والسواكير. وتعسف الأجهزة الأمنية والعدلية في ظل غياب دولة القانون.
واخيرا، تبقى العودة قرار شخصي يُبنى على اليقين بالأمان الملموس، وليست قراراً سياسياً يُملى عبر البيانات الصحفية والدعاية الإعلامية.



