مقالات وآراء

خيام النزوح: أصوات من قلب المعاناة

آدم رجال

على أطراف المدن والقرى في السودان تمتد مخيمات النزوح صامتةً كأنها جزء من تضاريس المكان. هناك لا تُحكى الحكايات عبر أرقامٍ أو تقاريرَ رسميةٍ إنما تخرج من أفواه أصحابها، ساخنةً ومثقلةً بالتجربة. لكل خيمة قصة، ولكل وجه حكاية معلقة بين سماءٍ قاسيةٍ وأرضٍ بعيدة.
تقول أم أحمد، وهي تجلس أمام خيمتها في مخيم الطويلة، وعيناها تسرحان في فراغٍ بعيد:
“كان صباحي يبدأ بتغريد الطيور في حديقتنا. اليوم أستيقظ على بكاء الأطفال من البرد والجوع. بيتي صار ذكرى، والخيمة صارت واقعي.”
أما محمد، الصبي ذو الأعوام العشرة فيبتسم ابتسامةً خفيفةً تخفي شيئاً من الحنين:
“كنت ألعب كرة القدم في ساحة المدرسة. الآن ألعب في التراب والحجارة، وأتخيلها كرة.”
الشيخ عبد الرحمن، وقد تجاوز السبعين، يتمسك بالذاكرة كأنها ميراثه الأخير. يجلس إلى الأطفال كل مساءٍ ويقول:
“أروي لهم أسماء القرى التي تركناها. أريدهم أن يعرفوا أن لنا أرضاً وجذوراً، وأن الخيمة مرحلة، وليست نهاية الطريق.”
فاطمة، أم لطفلين، تتحدث عن المرض بصوتٍ خافت:
“ابني مريض منذ أسبوع، ولا دواء هنا. أبحث كل يومٍ وأسأل، فيبدو الدواء بعيداً كحلم العودة.”
يوسف، الشاب في العشرينات، يصف الليل حين يهبط على المخيم:
“مع حلول الظلام أشعر أن الخيمة لا تحمينا. الرياح تتسلل، والبرد يلسع أجسادنا، والخوف يبقى ساهراً معنا.”
هذه الأصوات شهاداتٌ حية، تسجل تفاصيل الفقد والاقتلاع، وتكشف هشاشة الحياة في المنفى القريب. ومع ذلك تحمل في طياتها قوةً داخليةً واضحة، وعزيمةً على البقاء، وذاكرةً جماعيةً تقاوم النسيان.
الخيمة، رغم رقتها أمام الريح، تتحول إلى رمزٍ للصمود. وبين كلمات النازحين يتشكل درسٌ عميق في الصبر والكرامة، وفي الإيمان بأن العودة ليست وهماً، وإنما وعداً يسكن القلوب، انتظاراً ليومٍ يشرق فيه الوطن من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..