أخبار السودان

إثيوبيا وإريتريا على حافة التوتر مجددًا: ما أسباب تزايد خطر الحرب؟

لطالما كانت تاريخا إريتريا وإثيوبيا متداخلين بشكل وثيق. فبعد أن كانت إريتريا جزءًا من إثيوبيا، أطلقت كفاحًا مسلحًا من أجل الاستقلال عام 1961 انتهى بانفصالها رسميًا عام 1993 عقب استفتاء شعبي. غير أن العلاقات بين البلدين منذ الاستقلال شهدت تقلبات حادة، شملت حربًا مدمرة بين عامي 1998 و2000، أعقبها عقدان من العزلة المتبادلة.

وبدا أن العلاقات قد شهدت انفراجًا عندما قبل الرئيس الإريتري إسياس أفورقي مبادرة السلام التي طرحها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عام 2018. إلا أن هذا التقارب بدا، مع مطلع عام 2026، وكأنه ذكرى بعيدة، مع عودة شبح الحرب إلى الواجهة.

واندلع النزاع المسلح بين البلدين عام 1998 بسبب خلاف حدودي حول بلدة بادمي في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، على طول حدود تمتد لأكثر من ألف كيلومتر. وتحولت المواجهة إلى واحدة من أكثر النزاعات دموية في أفريقيا المعاصرة، إذ قُتل عشرات الآلاف.

وانتهت الحرب بتوقيع اتفاق الجزائر في يونيو 2000، الذي نص على وقف إطلاق النار ونشر قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة وإنشاء لجنة لترسيم الحدود. إلا أن عدم ترسيم الحدود بشكل نهائي أبقى جذور التوتر قائمة.

وكانت إثيوبيا آنذاك تحكمها جبهة تحرير شعب تيغراي ضمن ائتلاف “الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية” الذي قاد البلاد بين 1991 و2018. وكانت الجبهة حليفًا تاريخيًا للحزب الحاكم في إريتريا، لكن هذا التحالف انهار بعد الحرب.

وأثار اتفاق السلام عام 2018 ترحيبًا دوليًا واسعًا، إذ اعتُبر خطوة تاريخية نحو طي صفحة الصراع. غير أن التقارب لم يتحول إلى شراكة سياسية أو اقتصادية مستدامة، بل اقتصر على تفاهم مؤقت.

وبعد وصول آبي أحمد إلى السلطة في أبريل 2018، تراجع نفوذ جبهة تحرير تيغراي. وفي نوفمبر 2020 اندلعت حرب تيغراي، حيث دعمت إريتريا الحكومة الإثيوبية ضد الجبهة. وشهد النزاع اتهامات واسعة بارتكاب جرائم حرب، نُسب الكثير منها إلى القوات الإريترية.

ورغم اتفاق 2018، بقيت نقاط الخلاف قائمة، وأبرزها مسألة الوصول إلى البحر. فاستقلال إريتريا منحها سيطرة على ساحل طويل على البحر الأحمر، فيما أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة تعتمد على موانئ دول الجوار، خاصة جيبوتي.

الوقت يضيق، والبديل عن الدبلوماسية قد يكون جولة جديدة من الصراع لا تتحملها منطقة أنهكتها الحروب.

وفي السنوات الأخيرة، أعاد آبي أحمد طرح قضية الوصول إلى البحر، مشيرًا إلى إريتريا وأرض الصومال كخيارات محتملة.

ويرى أن لإثيوبيا مطالب تاريخية بميناء عصب الإريتري، الذي يبعد نحو 60 كيلومترًا عن الحدود الإثيوبية. ويحظى هذا الطرح بدعم داخلي واسع، إذ يعتبر كثير من الإثيوبيين فقدان المنفذ البحري مأساة وطنية. لكن إريتريا ترفض أي ادعاء إثيوبي بشأن عصب، ما أدى إلى تصاعد التوتر.

ويتمثل الخلاف الثاني في اتهامات متبادلة بدعم حركات متمردة. فقد اتهمت إثيوبيا إريتريا بدعم جبهة تحرير تيغراي وفصائل أخرى في إقليمي أمهرة وأوروميا، بينما تنفي أسمرة هذه المزاعم.

وأما الخلاف الأهم فبرز بعد انتهاء حرب تيغراي عام 2022، إذ اشتكت إريتريا من عدم إشراكها في اتفاق السلام رغم مشاركتها في القتال. وتتهم أديس أبابا أسمرة بإعادة تموضعها سياسيًا وتقاربها مع خصومها السابقين في تيغراي.

وفي أكتوبر 2025، اتهم وزير الخارجية الإثيوبي إريتريا بتنفيذ توغلات داخل الأراضي الإثيوبية وتحريك قوات في تيغراي. كما اتهمها بدعم جماعات مسلحة في إقليم أمهرة. وردت إريتريا بأن هذه الاتهامات “عارية عن الصحة ومختلقة”.

ومع تبادل الرسائل الدبلوماسية الحادة، يزداد خطر الانزلاق نحو مواجهة جديدة، في منطقة القرن الأفريقي التي تعاني أصلًا من تداعيات الحرب المستمرة في السودان.

ورغم المخاطر، لا تزال نافذة الدبلوماسية مفتوحة. فقد أكدت إثيوبيا استعدادها للحوار، بما في ذلك التفاوض حول القضايا البحرية وإمكانية الوصول إلى ميناء عصب. ويمكن لمحادثات جادة أن تعالج مخاوف إثيوبيا بشأن المنفذ البحري، وهواجس إريتريا بشأن سيادتها.

إن اندلاع حرب جديدة بعد ثلاث سنوات فقط من نهاية حرب تيغراي سيكون كارثيًا على المنطقة. وهنا يبرز دور الاتحاد الأفريقي، الذي يتخذ من أديس أبابا مقرًا له، في دعوة الطرفين إلى طاولة المفاوضات قبل فوات الأوان.

فالوقت يضيق، والبديل عن الدبلوماسية قد يكون جولة جديدة من الصراع لا تتحملها منطقة أنهكتها الحروب.

العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..